•  

     

    Le Néo-fascisme et la radicalisation des jeunes 

    La communauté internationale fait-elle le nécessaire?

    التحديات "الدينية" المتصاعدة والرهانات الثقافية

    آمنة الجبلاوي

    إن تصاعد ظاهرة السلفية الجهادية وتنامي الفكر التكفيري يحتاج الى تشخيص من زاوية ثقافية وهو ما سنركز عليه ولن نتناول في هذه الورقة تصاعد الظاهرة الدينية من الزاوية الامنية أوالتاريخية. بل سنحاول أن نشخص أسباب تصاعد هذه الظاهرة التي تقوم على تأويل الدين الإسلامي تأويلا قائما على القول بحقيقة واحدة وعلى الرفض القطعي لثقافة الاختلاف.

      

    I. الإطار العام

    تكمن مهمة الباحث في الابتعاد عن المنطق السجالي حين تحتد الخطابات الانفعالية، وتكمن قيمة البحث العلمي في التحليل المحايد لموضوع الدرس وتنسيب الرؤى التّي تروم التعميم والتي تمثل المسائل على أنها إما أسود أو أبيض لا درجة لونية بينهما. وقد قيل الكثير في هذا الموضوع وسنحاول ألا نعيد كلاما تكرر بل أن نضيف شيئا من التساؤلات والملاحظات لا غير.

    في البدء لا بد من تنزيل المسألة في إطار عام يتمثل في عودة الشّعور الديني. ولا بد من تنزيلها في سياق عالمي فالجدل حول ظهور مجموعات تدعو إلى ما سمي صحوة إسلامية تختزل الصحوة في المناداة بتطبيق الشريعة دون فهم عميق لمختلف جوانبها يظهر مؤخرا بين الحين والحين في أوروبا خاصة حيث بدأت الاقليات الإسلامية منذ أكثر من عقد تستفيد من مناخ الحريات وتطرح إشكالية حرية المعتقد وطرائق ممارسته في الديمقراطيات الغربية الى حد المطالبة بحق ممارسة ما يتنافى مع قوانين هذه البلدان ودساتيرها من قبيل المطالبة بقبول تعدد الزوجات أو ضرورة تخصيص مسابح منفردة للنساء واخرى للرجال او اماكن صلاة للمسلمين دون غيرهم ويتعارض ذلك مع قوانين بعض الدول التي توفر فضاءات للتامل والصلاة لكل الديانات وذلك في نفس المكان.

    لا بد إذا من تنزيل المسألة في إطار حاجة ملحة إلى حسم التساؤلات حول من نحن ومن نريد أن نكون، فقد وصلت الديانة الإسلامية الى قرنها الخامس عشر وهذه الحركيّة التي تشهد اليوم تعبر عن الحاجة إلى تغيير ضروري وإصلاح لعله بات وشيكا وملحّا. وما بعض التعبيرات المتشنجة والموغلة في الهمجية إلاّ ترجمة لمخاض سائر نحو ما عرفته ديانات أخرى من مراجعات وإصلاحات سمحت لها بالاستمرار في التاريخ أو مؤشر على انحدار حضارة ما إلى ما يقودها الى زوال؟

     

    إن أنماط التدين الراديكالي لم تكن موجودة رغم نشأة حركة الإخوان وحزب التحرير في الثلاثينات.  إن أشكال التدين ومنها تنامي أعداد العربيات المسلمات اللاتي اخترن التحجب مع بداية التسعينات ولعل في ذلك تعبير عن تنامي الحاجة إلى تدين مخصوص يحتاج إلى التحليل والمتابعة ففي الخمسينات والى حدود الثمانينات في بلدان مثل مصر وتونس وغيرها لم تكن النساء تلبسن الحجاب. لكن ما نرصده هو أن هذه الظاهرة ارتفعت بعد ارتفاع عدد العاملين من المنطقة في الخليج بالاضافة الى ظهور دعاة دخلوا الى البيوت دون استئذان وألحوا في إعطاء دروس في هذا الصدد إذ انهم يعدون الحجاب لباسا اجباريا وفق تأويلات مخصوصة لعبارة الخمار وغيرها من الإحالات والقراءات التي قام بها رجال الدين في إطار مجتمعي  محدد وثقافة سائدة لم يسمح بقراءة نقدية واجتهاد مجدد في هذا الموضوع وفي كل المسائل المتعلقة بالطقوس عموما.

     إن وجود انتاج “دعوي” يعد مادة تثقيفية تروج لقراءة تختص بالنهج الحنبلي الوهابي المحافظ. ونحن أمام ظاهرة يعتبرها البعض صناعة تسعنى الى التسويق لتأويل موحد ومعلب للدين. يسوق عبر شاشات دعوية وعبر قنوات عديدة اخرى من بينها العمل الخيري الذي ثبت تورط بعض اصحابه في تسفير بعض الشباب الى سوريا مقابل مبالغ مالية.

     إن تصاعد  السلفية الجهادية هو أحد مظاهر هذه الحاجة التي أصبحت منتشرة في العالم الإسلامي،  إلى حسم التساؤلات حول ما يعني أن تكون مسلما في 2014، وفي غياب المعارف والتنمية والعلم وفي غياب مشاريع حضارية واضحة وحقيقية لا تختزل وجود الجموع في بعد ديني واحد قد يستحيل هوسا خانقا. في غياب آفاق ثقافية وتكنولوجية واستراتيجية تطرح ما يليق بالعالم الإسلامي من تموقع ضمن التوازنات العالمية الجديدة، يكون الجواب عبر التشبث الحرفي ببعض الرموز الظاهرية وعبر التمسك بشكليات الطقوس أي عبر الميل إلى ما يعبر عن الانكفاء على الذات.

    نحن نقول: لعل عدو الثقافة الاسلامية وعدو الدين هو أولا الجهل الذي يتجلى من خلال بعض السياسات المتبعة شمالي المتوسط وجنوبه التي تنم عن تقصير في تنمية المعرفة بالعالم والتاريخ الإسلاميين ومن خلال تأويلات السلفية التكفيرية الجهادية  التي تذهب احيانا الى قراءات تعبر عن غياب لمعرفة مقاصد الرسالة.

     

     

     

    1. السبب السياسي : غياب رؤية سياسية ومشاريع حضارية مستقبلية في المنطقة

    و يبقى تصاعد التيارات التكفيرية والسلفية الجهادية وجبهات القتال جوابا على غياب الجواب في مسألة الهوية ونتيجة لعولمة لم تستثمر في الارتقاء بالمستويين التربوي الثقافي للجموع ولم تقدم حلولا اقتصادية واجتماعية لشباب انسدت امامه آفاق العمل او السفر : 

    إننا نلحظ في كامل المنطقة العربية عدم الحسم في مسألة هوية الدولة الوطنية المستقلة، ينضاف إلى ذلك تراجع الطروحات الماركسية والقومية والاشتراكية. فالعولمة والخيارات الليبرالية الجديدة لم تستثمر في التربية والثقافة فساهمت في بلورة شخصيات قاعدية هشة لدى عديد الشباب، شخصيات تستمد وجودها انطلاقا من ظاهرة المحاكاة، طالما انها لا تجد مرتكزا من حيث المبادئ المدنية وثقافة المواطنة تؤمن بها فبعد انكفاء فكرة القومية وفكرة الاشتراكية لم يبق لها بدائل مقنعة ومحفّزة وقوية تتشبث بها. أما فكرة الديمقراطية فهي تشق طريقها في كامل المنطقة لكنها تعاني من أزمات التنمية وأزمات الاقتصاد المالي العالمي وتحتاج الى توطيد الإدارة الرشيدة.

    وفي غياب هوية واضحة يرتكز عليها شباب المنطقة ككل، هوية من شأنها ان تعبّر عن حاجياتهم وأن تجيب على آمال هذه الاجيال المتعطّشة إلى معرفة الوجهة التّي يجب اتخاذها. وفي غياب عديد المحدّدات تتنامى أشكال التدين الشعبي بما هي أحد ردود الفعل الطبيعية على الخواء والفراغ السائدين وتراجع دور الحكومات في تاطير الشباب وفي الاستثمار في التنمية عبر الاستثمار في برامج تربوية جيدة.

    هناك إذا وعي جديد بضرورة التمسك بأي معطى ثقافي ذي معنى وفي غياب أفكار جديدة وبدائل مقنعة وحاملة لقوة جذب شعبية جاءت فكرة العودة الى اشكال التدين المادي لتعبر عن ذعر الجموع وضياعها. ويبقى الحل طبعا في العمل وفي الابتكار لكن في اجواء يحس فيها الفرد بالاعتزاز والنخوة بمن هو، يجب قبل كل شيء إعادة بناء هذه الشخصية ومقوماتها.

     

    وتنضاف إلى ذلك الحاجة الملحة لتنظيم ما يبث وما ينشر على نطاق شعبي واسع في بعض الفضائيات من أحكام ومعلومات قد لا تصدر عن مرجعيات دينية لها الأهلية العلمية والقدرة على الحسم والفصل بين الغث والسمين. فنشهد أحيانا في نفس القضية خصومات وتأويلات تذهب الى حد التناقض فيدخل البعض في مزايدات لا نهاية لها، يكتسي فيها غالبا مبدأ التعسير لون الجدية ويدخل المشاهد في متاهات ومزايدات لا مخرج منها.

     

    الفجوة بين الإسلام والحداثة

    ومن الاسباب التي تقبع وراء  اللجوء إلى الحل الديني، اهتزاز صورة الحداثة وأؤكّد هنا على كلمة صورة فنحن لسنا بصدد الحديث عن الحداثة بماهي مبدأ ومطلب، بل بصدد محاولة فهم علاقة الجموع بمشروع الدولة الوطنية الحديثة الذي فشل في إيجاد أفق جديد وتحديد اهداف جديدة يجتمع حولها مواطنو المنطقة، فإن لم يُتح لهذه الجموع تعلم لغات غربية أو الاحتكاك الفعلي بهذا الآخر عبر السفر واللقاءات البشرية المثرية فإنّها ستنشأ على عدم معرفة هذا الآخر وهو أقصر طريق لبناء الصور النمطية والكراهية في علاقتنا بالآخر.

    وإذا واصلنا التفكير في الفجوة التي نشأت مؤخرا بين الجموع الإسلامية وبين قيم الحداثة فإن من أسبابها: تقلص البرامج الغربية وتحديدا الأوروبية والمتوسطية المرصودة لتصدير ثقافاتها وهو نتيجة طبيعية لانتهاء الحقبة السوفياتية والاشتراكية، وظهور عولمة لم تستثمر في الثقافة بدعوى أنها لا تخضع لمنطق التجارة المربحة. ولم يفكر أقطاب النظام العالمي الجديد في السّلم الثقافي بين البلدان الذّي هو أحد مقومات السلم الاجتماعي والازدهار الاقتصادي.

    ومن أسباب الفجوة إغلاق الحدود والتضييق على الرّاغبين في عبور الحدود من جنوب المتوسط الى شماله ومن العالم الإسلامي إلى العالمين الأوروبي والأمريكي منذ 2001.

    ماذا بقي إذا للمسلم البسيط وللمسلمة البسيطة سوى الانكفاء على النفس ومحاولة التّشبث بأية قيمة لا تزال تتمتع بشيء من التماسك، وماذا بقي سوى قارب النجاة الأخروي الديني بعد سلسلة من الانتكاسات والخسارات.

     

    2. السبب الاقتصادي

    وهناك اسباب أخرى عديدة أهمها المعطى الاقتصادي، الذي يبقي مربط الفرس، فماهو موقع العرب المسلمين اليوم في العالم؟

     فالقوة الوحيدة التّي يمثلها هي قوة العدد، عدد الشعوب المستهلكة أو بعض الشعوب المنتجة للثروات الطبيعية. رغم أنه لا بد من الإقرار بأن هناك بلدان إسلامية مصنعة ومنتجة للتكنولوجيا مثل أندونيسيا والباكستان وايران وتركيا. ومن الاعتراف بأن العالم العربي لم يصل الى ذلك المستوى من التصنيع وهو الذّي كان في الخمسينات والتسعينات يتقدم معظم دول آسيا. ولا بد في هذا السياق العام من طرح سؤال ماذا قدم المسلمون للبشرية منذ 5 قرون مقارنة بالنجاحات غير الإسلامية التي عرفتها الصين وأوروبا وأمريكا؟  

    ومنذ أن اعتبر بعض الذين سلكوا مسلك المغالاة أو وجدوا أنفسهم مدفوعين إلى ذلك... فجانبوا الصواب ورشحوا الإسلام كما لو كانوا أوصياء عليه ودون أن يستشيروا أحدا ليكون عدو ما ينعتونه غربا. وغدا بعض المتهافتين على ثقافة الكراهية أعداء للغرب بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. وإن كان من الضروري فهم الغضب العارم الذي تلا أحداثا بدأت منذ حوالي عشرين سنة  في أفغانستان والعراق وتوجت بأخطاء البابا بنديكتوس 16 وبالحصار على شعب غزة، فإنه غضب أدّى إلى ظهور خلايا ترد الفعل فلا تقدم اليوم سوى صورة غير مفهومة لطائر مذبوح يتخبط ويضرب بجناحيه كل ما يعترضه هل هذه هي الصورة التي نريد أن نقدمها للغرب عن ثقافتنا؟

     

    3. السبب الديني : غياب الاصلاح الديني والحاجة إلى تجديد متواصل للخطاب العقلاني

    فالخطاب النقدي والعقلاني هو نفسه يعرف انحسارا، ولابد للباحث الصادق من ضخّ دماء جديدة في التساؤلات وفي الحوار الفكري والعلمي والمدني الذي حصل، وخاصّة ذلك الذي لم يحصل بسبب انكماش البعض وممارسة البعض الآخر لعبة الصمت والتقيّة أواستعلاء البعض على الاخرين بدعوى امتلاكهم جوهر الحقيقة واتهام "المخالفين لرأيهم" بخروجهم عن طريق الصواب مما ينسف كل امكانيات التحاور والاحترام والتعايش. في ظل هذه الأجواء العقيمة وهذه الفراغات وفي ظل عجز النخب عن مخاطبة الجموع بلغة يفهمونها، بلغة تبلغ آذانهم وتحرك سواكنهم. في غياب ذلك سيتحملون مسؤولية عدم بذل الجهد الكافي مع تصاعد سوق سماسرة التطرف لدى المراهقين والشباب.

    على أبناء هذه الثقافة ان يُعملوا العقل وان لم يفعلوا فسيحاسبون على ذلك وإذا ما أشرنا إلى المرجعية الدينية فإن إعمال العقل واجب على المؤمنين وإلا فسيحاسبون على ذلك وإذا ما اخترنا مرجعية معرفية موضوعية فإنهم سيحاسبون عندما يخرجهم التاريخ من دورته...

     

    الحصيلة التي راكمتها المجتمعات العربية منذ انطلاق مسار التحديث  

    التفاؤل ضروري والتحديث جار لكن الازمة كونية. هناك مكاسب في أكثر من مستوى، لكن انخراط المجتمعات العربية في مسار التحديث بعد حركات الاستقلال لم يجعلها تسجل نفس التقدم فهناك أحيانا  تفاوت كبير بين بلد وآخر ولعل التقسيمات الانجلوسكسونية  والاحصائيات الاستراتيجية الجديدة التي تجمع شمال افريقيا والشرق الاوسط في نفس المنطقة MENA قد تظلم التجارب الأكثر تقدما فتشجع منحى يساوي بين التجارب فيقوّي فرص الشدّ إلى الوراء، بسبب هذه التعميمات الثقافوية  وهذا التبسيط الماهوي.

    العوائق التي حالت دون أن تكون الحصيلة أفضل

    ومن العوائق التي تعطل مسار الاصلاح المزايدة على من له الحق في أن يقود مسار التحديث؟

    و الجواب على المزايدات هو أننا : كلّنا أبناء الثّقافة العربية الاسلامية وكلّنا نحترمها ونحمل تراكماتها بطرائق مختلفة، كلّ بطريقته وحسب اجتهاده وحسب آفاقه وكل يحاول أن يقدّم أفضل ما عنده، وأن يكون خير سفير كي تبدو هذه الثقافة اليوم في أحسن صورة. وكلنا نريد أن نفخر بثقافتنا في المنطقة وفي العالم ويؤلمنا ما يحصل من تشويه يهز هذه الصورة، وهو تشويه يقبع وراءه بعض دعاة الكراهية الذين نجدهم شمالي المتوسط وجنوبه وفي أكثر من منطقة بالعالم. وعوض أن تنصرف الطاقات نحو التنمية وتطوير المعارف انخرط البعض في حرب عقيمة على النفس وعلى العصر وعلى الآخر.

    والتقت رؤى صدام الحضارات مع الراديكاليين الإسلاميين في بناء هولوكست إسلاموي يجد اليوم تجلياته في الجماعات التي اصبحت تذبح وتسرق وتشرع للجريمة باسم الدين.

     

    العلاقة المتوترة بين العلماء التقليديين أو علماء النقل والمقاربات الحديثة للموضوع الديني بالاستئناس بالعلوم الانسانية ودراسة الظاهرة الدينية في مختلف تمظهراتها. فالبعض يحاول من خلال الاشارة الى ما يرتبط  بهذه الظاهرة من قداسة وضع قيود على تناول العلوم الانسانية للظاهرة الدينية

    علينا أن نحاول رصد الأسباب وفهم الظّاهرة فلا علاقة للبحث العلمي بمشاعر الناس ومعتقداتهم وعاداتهم الثقافية والاجتماعية. ولا يشك عاقل في أن تحليل المسائل لا يمس من الاحترام المرصود للشأن العقديّ. وما يحاول البعض الإيهام به بأن العلوم الإنسانية والمعارف الحديثة لا يمكن أن تطبق على بعض الخصوصيات الثقافية، فالأخذ بسبل العلوم من الآخرين وتطويعها والاستفادة من مكاسبها المنهجية لا يمس من القناعات بل قد يثبتها ويجعلها أكثر قربا من مقتضيات العصر.

    وإن كنتم ترومون من خلال السؤال التلويح الى التّعارض الذي يحاول البعض تصوره بين العلوم الشرعية  والعلوم الحديثة فإننا متأكدون من أنّ المنظومتين مختلفتين وأنهما في نفس الوقت لا تتعارضان بل تصب واحدة في باب الايمان وهو موقف ذاتي و الاخرى في باب البحث العلمي.

    أما ردود الفعل المتوتّرة  فلا تتقدم بمستوى الحوار العلمي وهي تسيء إلى أصحابها اكثر مما تخدم رغباتهم وتعبر عن تهافت وضعف في أدوات الرد وبراهينه، وهناك في المقابل  ثلة من الباحثين والكتاب الواعدين الذي يُتوقع منه الكثير رغم اختلافهم في بعض المنطلقات أو بعض أدوات البحث. يجمعهم الشغف بالفكرة واحترام الفكرة الصادقة والكلمة الحرة. ولعل التجربة التونسية الرائدة في الدراسات الحضارية ضمن اقسام العربية والتاريخ هي التي ينتظر منها الجديد. ويقر كثير من الباحثين أن جزءا من الإضافة سيكون من ربوعنا وأن ما يسميه البعض اجتهادا أو إصلاحا دينيا أمر بات ملحا وإلا فالبديل عنه الانحدار والتهاوي الى الهمجية فالاندثار. فقد ماتت حضارات واندثرت ثقافات وكأننا نسرع الخطى نحو تلك النهاية إذا لم نتدارك أنفسنا.

     

    4. السببين الثقافي والإعلامي

    إن ترتيب المشهد الإعلامي العربي اليوم أصبح حاجة ملحّة إذ لا بد من إعادة التفكير في مستوى الإنتاج التلفزي العربي ومستوى الانتاج المستورد المعروض على الفضائيات. فهو إنتاج يلج كل بيت عربي في داخل العالم العربي وخارجه وهو بذلك يدخل بيوت عرب أوروبا وغيرهم من عرب المهجر. والكل يعلم أن أضعف ما في هذا الإنتاج، بعض البرامج التي تلبس لبوس الدروس الدينية فتعمل على الاتجار بآلام الناس وبضعفهم وعواطفهم وقلّة اطلاعهم، فمنهم من نصب نفسه حاميا للدّين وللأخلاق ونسي أن الأخلاق قيمة مطلقة تعدّ ملكا لكل الإنسانية، مثلما نسي أنه ليس الممثل الوحيد للدين ولا المتحدث الوحيد باسمه ونسي أن هناك تأويلات مختلفة وأن الاختلاف رحمة.

    و لا بد أن نشير إلى وجود عدد محدود من القنوات التي تذيع دروسا دينية تستجيب إلى شروط المقبولية العلمية. وبعضها يقدم خدمات وافكارا معتدلة. لكن بعض القنوات تبث حصصا مليئة بالأخطاء التاريخية فقد لاحظنا أحيانا وجود أكثر من خطأ في نقل المعلومة من المصادر. ليست هناك سلطة علمية تهذب كمّ المعلومات وفوضى الافكار التي يتمّ تسريبها خاصة على القمر الصناعي النايلسات والتّي قد تنير العقول أحيانا وقد تسمّمها  أحيانا اخرى  والتّي تدخل البيوت والعقول دون استتئذان. ولعل هذه السّلطة، سلطة الاعلام الاسلامي المُصنع والاسلام المعولم أو المُعلب، وهذه الموضة الإعلامية تجاوزت أحيانا طاقة بعض الدول العربية على تأطير شبابها إذ أنها لم تستعد بما فيه الكفاية لاحتواء هذه الوسائل الجديدة للنّفاذ إلى العقول وللنفوذ إلى السرائر. وقد أصبحنا امام جيل جديد من الابطال الجدد والاقانيم الجديدة تتمثل في لاعب الكرة ونجم الشاشة وفنان وداعية درس تجارة ولم يدرس يوما علوم الدين. وإن كان من البديهي أنه لا مناص من وجود قنوات دينية واخرى للموسيقى الترفيهية فإنّ ما نتساءل عنه هو غياب قنوات ثقافية تقدم محتويات أخرى تضاهي الكم الهائل من قنوات الترويج للجهل ولثقافة اجترار الجهل.

     

    وضع استراتيجية عربية  لملأ الفراغات الإعلامية 

    وقد بات من الحاجيات العاجلة أن تشتغل النّخب على تطوير خطابها وأن تتابع البحث في إمكانيات الارتقاء بالإنتاج الإعلامي الذي يشير إلى كمّ يفتقد إلى الكيف. ولا بد من الإقرار بأنه على بعض الحكومات العربية ورؤوس الاموال أن تموّل قنوات ترجّح كفتي العقل والعلم، وتظفر بثقة الجموع عبر اتخاذ خطاب متّزن وذلك لضمان السلم والامن بالمنطقة.

     

    ابتزاز بعض الاطراف الإعلامية لمشاعر الناس

    وما يزيد أحيانا من تعقيد الأمور استغلال بعض الاحداث لابتزاز مشاعر الناس التّي تتقد ضد بعض السياسات الخارجية لدول الغرب، من قبيل السياسات المترددة في سوريا وليبيا وغيرهما. فتستغل هذه المشاعر مطية لتخوين البعض وتأجيج الهوس بنظرية المؤامرة وجعل كره الآخر عنصرا يتضخم ويتعاظم، ليساعد في امتصاص الإحساس بالغضب الذي نما بسبب تراكم الخسارات في القضايا الاقليمية.

    ولا شك أن أغلبية المسلمين متسامحون وهم بالفعل أحسن سفراء لما يسمى اسلاما وسطيا قوامه المحبّة ومبدأ التعايش مع الآخر. ولكن هذه الاكثرية العددية لا تبرز في الواجهة. فالمسلم الورع التقيُّ مشغول بالقوت اليومي وكذلك العلماء المستنيرين الذين لم يتلقوا الى جانب التكوين الديني تكوينا في فنون الاتصال  يعد ثلة منهم للظهور في الاعلام المرئي. ولعلّهم إن خرجوا عن صمتهم سيفعلون ما هو أفضل مما يقدّم اليوم لتوجيه الجموع. ومن هنا لعل التفكير في تكوين جيل جديد من العلماء المستنيرين الذّي يتم تكوينهم بغرض حذق تقنيات التواصل الحديثة ومنحهم استقلالية مالية لا تضطرهم إلى الخضوع الى أجندات وأموال بعض المتشددين.

     

     

    II. تصاعد التحدي الديني : ظاهرتي العنف الديني والإرهاب شمالي وجنوبي المتوسط

     

     لقد توترت العلاقة بعد 11 سبمبر 2001 بين شمالي المتوسط وجنوبه على خلفية نظرية صراع الحضارات في مقابل نظرية الكونية.

      وقد انبنت علاقة المسلمين بالمجتمعات الأوروبية على سوء الفهم المتبادل وعلى تنامي الخوف من الإسلام. إن هشاشة سياسات إدماج المهاجرين من عرب ومسلمين أثرت على جزء كبير من علاقة أروبا بالبلدان الأصلية لهؤلاء. وقد تعاظمت الفجوة فبعد محاولات عديدة لم تنبن على سياسات قائمة على معرفة بالحاجيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لجاليات المهاجرين.  

     

    وتُعدَ النصوص الدينية المرجعية لمسلمي أروبا كما لغيرهم من قرآن وسنة حمّالة لأوجه عديدة كما أن الديانة الإسلامية لا تعرف الكهنوت والبابوية وليس لأحد وصاية على مسلم فكل مسلم أهل للتمييز والحكم بالعقل على مساره. وليست فوضى بعض مظاهر الإفتاء إلا برهانا على أن دليل كل مسلم هو في نهاية الأمر بعد تناقض الفتاوى وتعددها عقله وضميره وعلاقته بما هو فرد مؤمن بخالقه. ومبدأ التأويلات المتنوعة هذا هو سلاح ذو حدين فهو يمنح حرية الاختلاف بين المسلمين أنفسهم، ويأتي دور رجال الدين من أهل المعرفة المشهود لهم بذلك للتحكيم أحيانا بين المسلمين في حال اشتدت الاختلافات في التأويلات فاستوجبت رأيا ثالثا لفض خلاف ما.

    من هنا تأتي معضلة إسلام أروبا وهي غياب المعرفة بالدين وباللغة العربية أساسا وهي مفتاح ولوج الجزء الأكبر من مسلمي أروبا والمتدينين منهم خاصة إلى نصوص التراث. مما أدّى إلى ظهور الحاجة إلى شيوخ ورجال دين يشرحون للمسلمين المتعطشين إلى فهم تراثهم وديانتهم. وظهر بذلك عدد من الدعاة الذين استجابوا لحاجة الجموع إلى التميز عن هوية اوروبية عبر رموز » « stygmate منها اللباس واماكن العبادة وقصّة  « narrative »تبني لهم صورة عن أنفسهم أخفقت أوروبا في إكمالها.

    * برج بابل أو فرضية سوء الفهم اللغوي 

    وقد أتاحت الفجوة اللّغوية في تقديرنا بين بعض المسلمين في أوروبا وبين فهمهم للنصوص الدّينية الفرصة لظهور بعض اشكال الوصاية على المسلمين وهي وصاية تضرب أحيانا مبدأ غياب الكهنوت في الإسلام. ولعله بات من الضروري مزيد البحث في علاقة الجهل باللغة العربية بظهور حركات سلفية دينية سياسية في اروبا وغيرها من البلدان الآسيوية والافريقية التّي تظهر فيها هذه الحركات التي لم تتصل مباشرة بالنّصوص التراثية في لغتها الأم.

    يبدأ سوء الفهم إذا أولا مع سوء فهم بعض المسلمين لنصوصهم وينتهي بتضارب في وجهات النظر مع القوانين المدنية الاوروبية في إطار الخلط بين الوضعي والديني في حين أن جل الباحثين خلصوا إلى أن المنظومة الفقهية منظومة وضعية بشرية وأنها تحمل هنات من وضعوها.

    * إدارة أوروبية سيئة للأزمة 

    إن التركيز الدائم من قبل العرب والمسلمين على مسؤولية الأحزاب اليمينية العنصرية التي تتبنى  خطابات عدوانية في شمالي المتوسط وتغذي نظرة عدوانية للمهاجرين العرب والمسلمين يعدّ أمرا مشروعا ، لكن صرف كل الطاقات الى إلقاء المسؤولية على الآخر يعدد خللا في تشخيص أسباب المعضلة. كما إنّ التحريض على اقامة قوانين وشرائع موازية وقوى موازية هو تخريب لسيادة الدول واستقرارها. هذه الافكار والاعمال وان بدرت احيانا عن حسن نية فإنها قد تصدر عن قيادات متعطشة للنفوذ ومهووسة بفكرة العنف المطهّر. وقد تتبعها افراد ومجموعات خالصة النية وبريئة من حسابات بعض الرؤوس. وهي رؤوس تضرب قيم الدولة المستقلة والوطن النامي وتضرب أحيانا اسس الدولة المدنية لذا يجب الحسم والرد على كلامهم ومحاولاتهم زعزعة مقومات الشخصيات الوطنية. وهي شخصية مثلت تراكما ثريا لمكونات ليس بينها تنافر.

    ولا بد من الاقرار بإخفاقات السياسات العمومية الهادفة إلى دمج المهاجرين ومنهم جزء من المنحدرين من جذور مسلمة بالبلدان الأروبية.

    لذلك كان لا بد من التفكير في وضع استراتيجيات على المدى قصيرة والمتوسط والبعيد من بينها تغيير البرامج التربوية والثقافية ومن قبيل ذلك برامج التربية المدنية بالتركيز على ان المواطنة الاوروبية والديمقراطية تستوعب هذا الجاليات المسلمة لكن على ان هذه الجاليات يجب أن تقوم بعمل جدي ومراجعات لتأويلاتها للإسلام وأن توائم بين اسلام اوروبا ومبادئ الديمقراطية. إن الجهد الاكبر الذي يجب بذله يبقى من صميم مسؤوليات مسلمي اوروبا. وهنا يمكن ان نتساءل هل ان هناك طرفا واحدا متجانسا يمكن التعامل معه ام اكثر وفي تلك الحالة علينا التفكير في تحديد ممثلين عن مسلمي اروبا يعبرون عن كافة التيارات والمجموعات ولا بد من تشريك علماء انتروبولوجيا وسوسيولوجيا الاسلام.

    كما لا بد لنا من التاكيد على ضرورة وضع براديغم جديد للتنمية مع بناء عقد اجتماعي جديد يؤكد على ضرورة دعم الدولة الديمقراطية في التنمية والحكامة وحماية حقوق المواطنين في اطار المنظومة الاقتصادية القائمة.

    إن التنمية المستدامة لا بد من أن تدمج الشرط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بالإضافة إلى الحوكمة ولابد من إضافة مفاهيم جديدة لا تزال بصدد البلورة من قبيل مفهوم الأمن الإنساني la Sécurité Humaine واستراتيجيات مناهضة الراديكالية والإرهاب القائمة على التلازم بين المقاربتين الأمنية والثقافية من جهة أخرى ونقصد بالثقافية هنا تفكيك الخطاب التكفيري وإعداد ترسانة من الاجوبة وبناء معرفة جديدة بالحدث الديني.

    إذ لا بد من القضاء على أسباب تصاعد هذا الفكر الارهابي إن كان لنا أن ننعته بالفكر. ولا بد من رصد منابته وإعداد خطة لتوجيه الشباب الذي يجد انجذابا نحو هذا التوجه.

     

    وعلى العرب الذين يمثلون مكونا هاما من جنوب المتوسط التركيز على أهداف مشتركة مع أوروبا وبناء سياسات فعالة فهم في الحقيقة معا في خندق الحرب ضد صناعة الارهاب وعولمة الجريمة  الارهابية وانتشار التكفير وفكر التدمير الذي لم يقدم شيئا للإسلام وللمسلمين، ولعله نتيجة لأخطاء في سياسات غاب عنها المستشارون المختصون في المسألة، وغاب عنها الباحثون الجديّون. وغابت فيها اساسا الارادة السياسية القوية.

     

    * زواج مؤقت طال أمده بين العنف والهوية

    يبقى العنف الديني تعبيرا عن حيرة وضعف الذّي ينتجه ويعيد انتاجه وتصريفه. ويعد المعطى الديني احد ركائز بناء الهوية ولكن عندما يصبح هو الركيزة الوحيدة يحدث خلل في علاقة منتج العنف بالعالم المحيط به.

    فهل يرضى المسلمون لأنفسهم أن تُختزل نظرة العالم إليهم على أنهم منتجون للعنف لا غير. فلماذا لا يتم تركيز الطاقات على مشروع حضاري إيجابي يُقدّم معطى الصناعة أو يختار لنفسه الريادة في أي ميدان. لماذا لا يختار المسلمون لانفسهم موضوعا نحاول أن نكون رائدين فيه بالإضافة إلى المحدد الثقافي الإسلامي الهووي؟

     

    III. التوصيات:

     

    أ. ضرورة حماية حقوق الأقليات

    لا بد من الاهتمام اليوم بالأقليات العرقية والمذهبية و تطويرآليات وقوانين لحمايتهم بالاضافة  إلى ضرورة التعاطي مع الموضوع علميا وسياسيا. فلقد ارتبط الحس السياسي العام أحيانا بالخلط بين الاقليات والادوار السياسية التي قد تساق اليها فتؤثر على تماسك المجتمعات. 

    ولا بد لنا أن نقر في حقيقة الأمر مثل الكثيرين بتحقق نبوءة أندري مالرو André Malraux عن القرن الواحد والعشرين إذ قال أنّه سيكون قرنا يشهد عودة الدّيني في كل العالم. وفي إطار هذه العودة طرحت مسائل عديدة في علاقة بتعايش ما يسمى أعراقا أو مذاهب مختلفة في ظل مجتمع واحد.

    وأمام تنامي الموجة التكفيرية وملاحقة الأقليات الدينية والعرقية وخاصة في العراق وسوريا مؤخرا إذ أننا نشهد في كل ازمة ملاحقة الاقليات من صابئة وايزيدية ومسيحية واستغلال بعض المجموعات المسلحة ضعف الدولة لطرد هذه الاقليات بغرض الاستيلاء على اموالها واملاكها. 

     من الضروري المراوحة بين الحماية الامنية والحقوقية وبين نشر ثقافة تعرف بهم ومن ثمة بحقوقهم.

    وبذلك يصبح النهج القائم على ثقافة حقوق الانسان نهجا تكمله ثقافة معرفة الاخر. لا بد إذا من نشر ثقافة جديدة تقوم على واجب الاعتراف بحق الاخر في الاختلاف وذلك عبر الاهتمام بالأقليات العرقية وخاصة المذهبية في إطار بحوث أكاديمية موضوعية تهدف إلى فهم الظاهرة وتقديم المسألة من خلال مساءلة النصوص التراثية في تمثّلها للأقليات أو ما كان يسمى "مللا ونحلا" أي في الصور التي تنسج عن هذا الآخر الضعيف عددا ووزنا والمستضعف أحيانا.

    إن الاشتغال على المسألة يركز كل الاهتمام على مسألة المخيال والصور النمطية التي قد تحدد التصورات العامة لهذه الأقلية او تلك، وقد يذهب البحث الى بيان الاختلاف الفعلي بتقديم الدليل العلمي على الفرق بين التمثلات وواقع الحال. ومعرفة واقع الحال هو مطلب معرفي.

     

     إننا نقترح مقاربة تقوم على بناء السياسات القائمة على الأرقام والبيانات وكذلك على المعرفة بما في ذلك معرفة الماضي التي قد تساعد المهتمين بالمسألة على إيجاد مادة تربوية حول تاريخ الاسلام وتأويله بما يضمن نوعا من السلم الاجتماعي في المجتمعات التي تتعدد فيها الطوائف والاعراق والديانات.

    وفي بعض الانتكاسات والخسارات عرفت بعض المجتمعات العربية الاسلامية موجة من الإقصاء والتشريد الذي تعرضت له اقليات كان لبعضها تواجد قرب الفرات منذ  1500ق م ونذكر من الأقليات التي تعرضت لملاحقة بعض الميليشيات الصابئة والايزيدية والكلدوآشوريين. ومن الضروري في هذه المواضع ان يساهم البحث الرصين في التذكير بانفتاح المجتمعات الاسلامية على غير المسلمين في فترات طويلة من تاريخها.

    وإن سعت بعض الجهات الى استغلال قضية الاقليات لضرب وحدة المجتمعات، فإننا يجب أن نفصل في هذا الموضوع  بين الحقوق المشروعة والتي جاءت في العهود والمواثيق الدولية التي تضمن تمتعهم بمبادئ عدم التمييز على اساس العرق او الدين وبين من يستعملون قضية عادلة لغايات سياسية. كذلك لا بد من التمييز بين البحث العلمي الموضوعي ومتاهات اللعبة السياسية، فمهمة الباحث هي شرح المسائل والتعمق في لطائف الامور.

    وأحد غايات البحث هي المساهمة في رفع اللبس حول معرفتنا بالاقليات وفي الفصل بين المعرفي والايديولوجي، هناك اقليات تفوق وطنيتها وطنية بعض افراد ينتمون الى الأغلبية، وهي اقليات برهنت عن اهتمامها وولائها لوحدة المجتمع الذي تنتمي اليه.

    وكل ما في الامر ان احترام الاقلية هو صنو لاحترام الاغلبية وان مراعاة حقوق الاقليات يعبر عن اجواء تحس فيها الاغلبية بالامن الاجتماعي خاصة.

    اعتقد ان الازمات الاقتصادية والمآزق الثقافية تعود بالوابل على الاغلبية التي تنكفئ على نفسها وترى ان الحلول تكمن في معاقبة هذا الاخر واستضعافه او اقصائه أو طرده ويكفي ان نشير إلى تعامل البعض في الاتحاد الأوروبي مع مسألة الغجر.

     

    -ب. تكريس مفهوم حقوق الإنسان والإشارة إلى عدم تعارضها مع الثقافة العربية الإسلامية في المناهج التربوية

    إن قول البعض بعدم تأصل المفهوم في الثقافة العربية الإسلامية كلام يفتقد إلى الدقة بل خطأ فادح ومغالطة، وأشير في هذا الصدد إلى بحوث أنجزت عن الموضوع منها بحث مستفيض قام به الدكتور غانم حمد النجّار، الاستاذ في قسم العلوم السياسية بجامعة الكويت عنوانه " الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هل كان صناعة غربية؟". يقول الدّكتور النجار " إنّ الدراسة المتفحصة للاعلان وظروف نشاته تثبت بما لا يدع مجالا للشك بان المساهمة الغربية...كانت في مجملها ضد صدوره" ويؤكد أن المساهمة العربية الإسلامية في صياغة الإعلان لم تكن هامشية ...حيث كان لها دورا بارزا منذ باية تشكيل لجنة حقوق الإنسان" وذلك في مختلف النقاشات وقد حضرت في مرحلة الصياغة مصر وإيران وتركيا والعراق ولبنان والمملكة العربية السعودية وسوريا. وكان المندوبون العرب والمسلمون يبدون ملاحظاتهم في الاجتماعات كما يبدو من خلال وثائق الارشيف. 

    القضية ليست قضية تأصيل هنا فالمسألة التّي تطرح وتشكل خطرا على مفهوم حقوق الإنسان هي أخطاء وانتهاكات في ممارسات دول أو تكتلات دولية يرتكز عليها البعض لضرب المبدأ وحقيقة الأمر أن المسار هو جدل دائم وطبيعي بين منطق القوة والهيمنة ومنطق القانون والعدل الدوليين. فهل أن الإخفاق في حماية حقوق الطفل في النيجر يعني أنه مفهوم لا يصلح وأننا يجب أن نعوضه بمفاهيم نيجرية أكثر تأصيلا؟ فالانتهاكات التي حصلت في افغانستان والعراق وفلسطين خطيرة لكن كل المختصين الأكفاء مهما كانت مرجعيّتهم أجمعوا أنه لا بد من التمسّك بالقانون الدوليّ ونذكر مرة أخرى بالتجربة التركية التي نجحت في تحريك المحاكم الدولية في قضية "أسطول الحريّة".

    لم تعد هناك حاجة إلى طرح سؤال تأصيل المفاهيم في2010 بل إلى تطوير مسار الملاءمة الذي بدأ بالفعل بين الاعلان العالمي وإعلان القاهرة والميثاق العربي. والعمل المتبقي هو مزيد البحث الجدي حول هذه المسائل، قصد تحقيق هدفين : الهدف الأول هو مزيد العمل على إمكانيات اعادة النظر في التحفظات والهدف الثاني هو مزيد الملاءمة بين التشريعات والعقليات السائدة حتى تصبح الأرضية ملائمة لتطبيقها.

    هناك ثلاثة مستويات كبرى وأولى للانخراط في منظومة حقوق الإنسان فقد انخرطت دول المنطقة فعليا في هذه المنظومات الدولية والاسلامية والعربية:

    1-    صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن الجمعية العامة للامم المتحدة في 10 ديسمبر1948  

    2-    تمت إجازة إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام من قبل مجلس وزراء خارجية منظمة مؤتمر العالم الإسلامي في القاهرة بتاريخ 5 أوت- 1990، والذي احتوى بعض التحفظات التي يمكن متابعة النقاش حولها قصد تطوير مسار تحقيق مبدأ عدم التمييز. 

    3-    الميثاق العربي لحقوق الإنسان في النسخة الأحدث التي اعتمدت من قبل القمة العربية السادسة عشرة التي استضافتها تونس في 23 ماي 2004 واصبح لنا أيضا ميثاق عربي مشرّف. 

    إن ثقافة حقوق الانسان مطلب ومكسب لا شك في أن تطويره سيكفل مستقبلا اكثر توازنا وأقل عنفا للإنسانية. وهي من الشروط التي قد تكرس مسار التحديث في المجتمعات العربية، وتكريس ثقافة حقوق الانسان بمقتضى الصّكوك والعهود والمواثيق الدولية ومواصلة الاشتغال على دفع المسار الديمقراطي بالتّوازي مع إحياء حركة الاصلاح الديني وتوضيح وحسم الأجوبة في بعض المسائل التي بات من الضروري الجزم فيها في ظل التناقضات التي اصبحت تظهرها بعض تيارات الفتاوى مما قد يشتت المجموعات الوطنية في العالم الإسلامي والعربي تحديدا.

    والبحث الجدي في موضوع علاقة الإسلام بحقوق الإنسان.

     

    * الجيل الثاني للحقوق

    نلاحظ ضرورة ملحة للتعريف بالجيل الثاني لحقوق الانسان أي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فقد حققت بعض بلدان المنطقة العربية تقدما على مستوى الجيل الاول القائم على الحقوق المدنية والسياسية لكن مشاكل البطالة وتمكين المواطنين من تنمية ثقافية وتربوية لائقة تمكنهم تخطي التهميش. ونحن نجزم أن صعود التطرف الديني والراديكاليات بأشكالها هو نتيجة طبيعية للهشاشة الثقافية.

     

    ولا بد من بناء استراتيجيات وسياسات عمل لا تقوم على الحل الأمني والمعلوماتي فحسب، بل على مقاربة أشمل تضم إلى جانب المقاربة الأمنية المقاربة الثقافية والمقاربة التربوية للتطرف الديني والفكري.

     

    ج. من أجل سياسات جوار جديدة للاتحاد الأوروبي في المنطقة 

     

    إذا ما بدأنا في التفكير معا في سياسات الجوار الجديدة التي يرغب الاتحاد الاوروبي في اتخاذها فإننا نوصي بضرورة :

     

    1* دعم مقاربة البحث العلمي لإنارة السياسات  

    ـ بعث مركز بحثي على مستوى الاتحاد الأوروبي لوضع استراتيجيات للتصدي للراديكاليات المتصاعدة تقوم على مساهمة خبراء من باحثين في تاريخ الاديان وخاصة الإسلام ومن علماء انثروبولوجيا وفلاسفة إلى جانب الخبراء العسكريين والامنيين.

    فالسياسات المتبعة إلى حد الآن في شمال وفي جنوب المتوسط هي سياسات أمنية لا تأخذ بعين الاعتبار أهمية المعطى الثقافي والعنصر التربوي في تصاعد ظاهرة الغلو الديني الذي يمتزج احيانا بالعنف الديني والارهاب واحيانا كثيرة بالجريمة المنظمة.[1]

    إن مركز بحث أو برنامج بحث ينكب على رسم استراتيجيات مناهضة الراديكالية وخاصة الاسلامية يمكن أن يساعد في رسم ملامح مقاربة جديدة تنهل من معين الحداثة وتقترح مسالك جديدة لفهم الاسلام دون ان تدعي التدخل في صميم عقيدة المؤمن.

    إن ما يظهر اليوم من تيارات سلفية وتكفيرية ومن جماعات دينية ذهبت بعيدا في اعمال العنف وانتهاك حقوق الانسان وترويع الاقليات غير المسلمة الخ...

    وعلبة الافكار التي سيشكلها هذا المركز قد تساهم في رسم معالم رؤية جديدة او في احياء الاسلام الناعم الاسلام المنفتح على الثقافات والاديان الاخرى. وقد تطرح تأويلات تمكن المسلم التائه من تجاوز عقد الهوية والافتخار بانتمائه للثقافة الاسلامية دون السقوط في متاهات التشدد ووهم امتلاك الحقيقة. من المفروض ان يضطلع بهذا الامر اصحاب الشان كما يقول لي عادة بعض القيادات من الساسة الاروبيين وأن الشان الاسلامي هو شان داخلي وان هناك حرجا في الخوض في الموضوع.

    اقول اليوم وانا هنا اقف موقف الباحث الذي يحترم معتقدات المسلمين وثقافتهم ويفهم الموقف الثقافوي الماهوي لصناع القرار بالبلدان الاروبية.

    ولكنني أرى أن الشأن الإسلامي أصبح شانا كونيا بامتياز وأنه مطروح الخوض فيه على المسلمين بامتياز ولكن وبالضرورة على غيرهم من جيرانهم أو ممن تعيش ببلدانهم جاليات اسلامية تحمل جنسيات أروبية أو أمريكية.

    ليس من البراغماتية بشيء أن نبقى مكتوفي الأيدي أمام هذه الفوضى العارمة وأمام غوغاء الفتاوى والدعاة الذي اختلط فيهم الحابل بالنابل وفاق في منابر البعض الغث السمين.

    لقد تجاوز بعض من يتكلم باسم الإسلام خطوطا حمراء وأمام تكاسل السياسات الرسمية وأمام كسل علماء البلاط وترجيح كفة النقل على كفة العقل والبحث النقدي اتسعت الهوة بين مقتضيات العصر ودعوة البعض إلى العود للماضي دون دراية بهذا الماضي ودون منهج واضح في ما يسميه البعض الصحوة الهووية أو الصحوة الاسلامية، لا أريد إطلاق أحكام معيارية ولست ممن يلقي الكلام والأفكار جزافا لكن إن كان تقتيل الايزيدية صحوة، أو إرغام غير المسلمين على الدخول في الاسلام –أو كما يسمون في الكتب القديمة أهل الذمة جوهر الرسالة الدينية فإن هناك خطأ ما يقتضي إعادة تحديد الأدوار التي يلعبها الدعاة والتي تلعبها قنوات الدعوة على القمر الصناعي النايلسات. ولا بد من وضع قوانين ترتب علاقة المسلمين بغيرهم وعلاقة المذاهب ببعضها لأن المسلم ليس وحده على الكرة الأرضية.

    أما إذا ما عدنا إلى سياسات التعامل مع صعود تحديات دينية جديدة فإن سياسات الجوار قد تكون في تماه مع السياسات الداخلية لمناهضة الإرهاب، ولوضع حلول ثقافية لوقف ظاهرة الهروب نحو العنف الديني جوابا لغياب التأطير المعرفي وجوابا على تفاقم البطالة وانسداد الآفاق التنموية والاقتصادية.

    إن الشابات والشباب الذين ولدوا بأروبا والذين يحملون جنسيات أروبية ويحملون بعض التطلعات لفهم محدد من محددات هويتهم فهم أروبيون لكنهم أيضا مسلمون لا يجدون من مؤطر سوى المساجد أو ما يتم تداوله في التلفزات التي تبث ما طاب لها من خطابات تحرض على العنف ولاتقوم على مقاربة تحترم مبادئ حقوق الانسان. لا يمكن اليوم بعد المستجدات أن يتملص واضعوا السياسات باسم الحرية الدينية من دورهم في كتابة نصوص تعرف بماهية المسلم الأروبي بواجباته وحقوقه وبالخطوط الحمراء التي لا يحق له تجاوزها.

     إن وضع عهد ينظم علاقة هذه المجموعات بالدولة المدنية الديمقراطية وقد يخدم السلام بكامل المنطقة ويكرس العمل الجدي حول الموضوع الشائك. كفى الأوروبيين كسلا وليعمل على هذه المسألة الأكفاء من جنوبي وشمالي المتوسط، لأننا إن انتظرنا أن تقوم بذلك الدول المسلمة قد لا نرى يوما بداية حقيقية للإصلاح الثقافي والتربوي حول مسألة المعرفة الدقيقة بالديانة الإسلامية وبتاريخ الحضارة الاسلامية الذي يفيض على المعطى الديني إلى جوانب ثقافية عديدة لا تخلو من أركان مشرقة.

     

    2* تعزيز الآليات القانونية

     ـ وضع آليات قانونية وآليات مراقبة وعقوبات لخطابات التحريض على العنف وللخطاب التي لا تحترم المقاربة القائمة على حقوق الانسان.

    ـ وضع قوانين لتنظيم المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص وخلق آليات مساهمة القطاع من خلال نسب مائوية واضحة في دعم هيكلة البنية التحتية للمدارس ونوادي المواطنة بالمؤسسات التربوية ومراكز الثقافة ودور الشباب.

     

    3* رسم سياسات جريئة وتصورات واضحة للإسلام كونيا وأروبيا ووضع أسس حقوق وواجبات مسلمي أوروبا

    ـ إن القيام بتنظيم دورات تدريب وبمحاضرات لن يكون له  الأثر المنشود على الفاعلين الجدد  في الجماعات الدينية الراديكالية، لذلك وجب اقتحام شبكات الاتصال الاجتماعي ومنها تويتر وفايسبوك ويوتوب واستعمال ما سيقع بثه في تلك التلفزة الموجهة للتعريف بتاريخ الاسلام وتاريخ المنطقة لبث خطابات بديلة حول طرائق جديدة في فهم علم الكلام والتفسير وغيره من المعارف التي يحتركها بعض العلماء الرسميون الذي لا ينتجون معرفة جديرة بالذكر في مجامع علماء المسلمين التي نجدها هنا وهناك.

    أنا لا أرى بادرة جديرة بالذكر تبدا بالعمل الدؤوب على مايمكن ان يسمى إصلاح المنظومة الفقهية خاصة وإصلاح المقاربات الماضوية التي لا تتماهى ومقتضيات 2014، إن بعث منبر يجمع النقد بمقاربات الإصلاح بمقاربات جديدة للاجتهاد ومقاربات مجددة لمناهضة هستيريا القتل والعنف قد يجمع مسلمين وغير مسلمين وباحثين في الشأن الديني وقد يساعد في تقديم رؤية جديدة لتطويق تنامي المد الراديكالي.

    لعل إصلاح أمر المسلمين قد يأتي بإصلاح أمر مسلمي أروبا عبر المؤسسة الأروبية

    إن ما يحدث في سوريا والعراق وذهاب بعض الشباب الأروبي إلى مناطق الصراع تلك هو ترجمة لتفاقم الأزمة الاقتصادية وتعبيرة عن هشاشة الجاليات المسلمة خاصة منها الجيلين الثاني والثالث للهجرة نحو أروبا. إن هذه المجموعات الهشة اقتصاديا وثقافيا في حاجة إلى الدعم لأنها تخضع إلى حملات التوجيه والبروباغندا في ظل فشل جزء من سياسات إدماج المهاجرين وفي ظل تقلص دور الدولة الاجتماعي والثقافي. لذلك نوصي كذلك بـ:

    يجب أن تتخلى الدول الاوروبية عن الموقف الثقافوي الذي يرفض التدخل في موضوع الإسلام مراعاة لشعور المسلمين ولحقوقهم العقائدية. لكن رفض الخوض في الموضوع ومزيد البحث ومحاولة بناء معرفة أروبية بقضايا الإسلام على اختلاف مذاهبه وتأويلاته، أدى إلى ترك الجالية المسلمة التي يعاني جزء منها من التهميش الاقتصادي فريسة سهلة لشبكات الدعوة والتسفير إلى سوريا بعد انتداب الأفراد الذين يشعرون بالفراغ والضياع والذين لا أفق لديهم صلب الدول الأروبية الذين ولدوا فيها ودرسوا في مدارسها: أعطيكم مثالا على كتب توزع في بعض المدارس الخاصة في لندن حول كيفية قطع يد السارق. وخلاصة الأمر هو ضرورة البحث حول سبل نقاش جدي حول مواءمة حاجيات الجاليات المسلمة مع قوانين الدول الأوروبية التي تقيم بها. وضرورة جعل المسلمين الأروبيين أكثر اجتهادا في هذا الأمر في سعيهم لتأطير الشباب وحماته من مزالق الراديكالية الدينية. وأشير في هذا الصدد إلى ضرورة إعادة النظر في آليات اختيار الممثلين الرسميين للجاليات المسلمة الذين تتعامل معهم الدول والذي تفلت منهم أحيانا وسائل الاتصال الفعال بكل أفراد الجالية.

     

    4* إصلاح المنظومة التربوية

    ـ إصلاح البرامج التربوية بأروبا والتركيز على المستوى الابتدائي وجعله أكثر اهتماما بإدماج الجاليات المسلمة باتجاه احترام القوانين المعتمدة بدول الإقامة .

    وضع برامج تدريب قائمة على مقاربة علمية وعلى مقاربة تقوم على احترام المعايير الدولية لحقوق الانسان

     

     

     

     

     

     



    votre commentaire


    Suivre le flux RSS des articles de cette rubrique
    Suivre le flux RSS des commentaires de cette rubrique