• 2 لتطمئن نفسي

     

    1-   هذا الجدل يحيلنا بشكل او بآخر إلى العلاقة التي تتعدد حولها الاجتهادات بين العلوم الانسانية ودراسة الظاهرة الدينية في مختلف تمظهراتها خاصة وأن البعض يحاول من خلال الاشارة الى ما يرتبط  بهذه الظاهرة من قداسة وضع قيود على تعاطي العلوم الانسانية مع الظاهرة الدينية فما هو رأي الاستاذة آمنة الجبلاوي؟

    ما سيرد في جوابنا هو محاولة لرصد الأسباب وفهم الظّاهرة ولا علاقة للجواب بمشاعر الناس ومعتقداتهم وعاداتهم الثقافية والاجتماعية. ولا يشك عاقل في أن تحليل المسائل لا يمس من الاحترام المرصود للشأن العقديّ. وما يحاول البعض الإيهام بأن العلوم الإنسانية والمعارف الحديثة لا يمكن أن تطبق على بعض الخصوصيات الثقافية، فالأخذ بسبل العلوم من الآخرين وتطويعها والاستفادة من مكاسبها المنهجية لا يمس من القناعات بل قد يثبتها ويجعلها أكثر قربا من الذهنيات الحديثة.

    وإن كنتم ترومون من خلال السؤال التلويح الى التّعارض الذي يحاول البعض تصوره بين العلوم الشرعية  والعلوم الحديثة فإننا متأكدون من أنّ المنظومتين مختلفتين وأنهما في نفس الوقت لا تتعارضان بل في رأيي تكملان بعضهما البعض. والواحدة منهما هي قطعا في حاجة الى الأخرى، فعوض ان نحاسب البعض على النوايا ليهتم كل بتحصيل علومه والارتقاء ببحوثه والسعي إلى الرد على الآخرين بالحجّة التي تقارع الحجة. أما ردود الفعل المتوتّرة  فلا تتقدم بمستوى الحوار المدني والأكاديمي وهي تسيء الى اصحابها اكثر مما تخدم رغباتهم وتعبر عن تهافت وضعف في ادوات الرد وبراهينه، طبعا الحديث يهم حالات فردية لا شان يُذكر لها -وهي فردية لا تعبر عن المجموعات أو المؤسسات- وفي المقابل هناك ثلة من الباحثين والكتاب الواعدين الذي يُتوقع منه الكثير رغم اختلافهم في بعض المنطلقات أو بعض أدوات البحث ولكن يجمعنا الشغف بالفكرة واحترام الكلمة الصادقة ونحن نعي اختلافنا لكننا نحترم بعضنا ولعل التجربة التونسية الرائدة هي التي ينتظر منها الجديد ويقر كثير من الاصدقاء بان الإضافة ستكون من ربوعنا واعترف أنها فرضية تثير الفخر وتحفز على الاجتهاد.

    1-   شمل اهتمامك الأقليات العرقية والمذهبية وهو ما يدفعني الى أن اسالك عن سبل تطوير التعاطي مع الاقليات منهجيا وعلميا وايضا سياسيا في ظل ما يرتبط احيانا في الحس العام سياسيا أحيانا من خلط بين الاقليات والادوار السياسية التي تؤثر على تماسك المجتمعات؟

    في حقيقة الأمر لا بد لنا أن نقر مثل الكثيرين بتحقق نبوّة أندري مالرو André Malraux عن القرن الواحد والعشرين إذ قال أنّه سيكون قرنا يشهد عودة الدّيني في كل العالم. وفي إطار هذه العودة طرحت مسائل عديدة في علاقة بتعايش ما يسمى أعراقا أو مذاهب مختلفة في ظل مجتمع واحد.

    ويتنزل الاهتمام بالأقليات العرقية وخاصة المذهبية في إطار بحث أكاديمي موضوعي متجرد، يهدف إلى فهم الظاهرة وتقديم المسألة من خلال مساءلة النصوص التراثية. والعمل هو بحث في تمثّل هذه النصوص للأقليات أو ما كان يسمى "مللا ونحلا" أي في الصور التي تنسج عن هذا الآخر الضعيف عددا ووزنا والمستضعف أحيانا.

    اشتغالنا على المسألة يركز كل الاهتمام على مسألة المخيال والصور النمطية التي قد تحدد التصورات العامة لهذه الأقلية او تلك، وقد يذهب البحث الى بيان الاختلاف الفعلي بتقديم الدليل العلمي على الفرق بين التمثلات وواقع الحال. ومعرفة واقع الحال هو مطلب معرفي.

     

     لكن هذه المعرفة بالماضي قد تساعد المهتمين في الحاضر بالمسألة على إيجاد مادة علمية يمكن ان يستفيد منها لضمان الاحترام وان يؤسس لمعرفة تقود نحو الاطمئنان للآخر وتضمن بذلك نوعا من السلم الاجتماعي في المجتمعات التي تتعدد فيها الطوائف او الاعراق من قبيل المجتمعات العراقية واللبنانية أو الهندية الخ.

    وفي بعض الانتكاسات والخسارات عرفت بعض المجتمعات العربية الاسلامية موجة من الإقصاء والتشريد الذي تعرضت له اقليات كان لبعضها تواجد قرب النيل والفرات منذ 1500ق م ونذكر من الاقليات التي تعرضت لملاحقة بعض الميليشيات الصابئة والايزيدية والكلدواشوريين. ومن الضروري في هذه المواضع ان يساهم البحث الرصين في التذكير بانفتاح المجتمعات الاسلامية على غير المسلمين في فترات طويلة من تاريخها.

    طبعا بعض الجهات تسعى ربما الى استغلال قضية الاقليات لضرب وحدة المجتمعات، لكن في هذا الموضوع يجب الفصل بين الحقوق المشروعة والتي جاءت في العهود والمواثيق الدولية التي تضمن تمتعهم بمبادئ عدم التمييز على اساس العرق او الدين وبين من يستعملون قضية عادلة لغايات سياسية. كذلك لا بد من التمييز بين البحث العلمي الموضوعي ومتاهات اللعبة السياسية، فمهمة الباحث هي شرح المسائل والتعمق في لطائف الامور.

    وأحد غايات البحث هي المساهمة في رفع اللبس حول معرفتنا بالاقليات وفي الفصل بين المعرفي والايديولوجي، هناك اقليات تفوق وطنيتها وطنية بعض افراد ينتمون الى الأغلبية، وهي اقليات برهنت عن اهتمامها وولائها لوحدة المجتمع الذي تنتمي اليه.

    وكل ما في الامر ان احترام الاقلية هو صنو لاحترام الاغلبية وان مراعاة حقوق الاقليات يعبر عن اجواء تحس فيها الاغلبية بالامن الاجتماعي خاصة.

    اعتقد ان الازمات الاقتصادية والمآزق الثقافية تعود بالوابل على الاغلبية التي تنكفئ على نفسها وترى ان الحلول تكمن في معاقبة هذا الاخر واستضعافه او اقصائه أو طرده ويكفي ان نشير إلى تعامل البعض في الاتحاد الأوروبي مع مسألة الغجر.

    6-هناك جدل محتدم حول الحجاب وما تفرع عنه من تنويعات كالنّقاب والبرقع فماهي الأسباب التي تؤدّي حسب رأيك الى عودة هذه الأنماط من الّلباس؟

    الإطار العام

    تكمن مهمة الباحث خلافا لما يقوم عليه المنطق السجالي، في التحليل المحايد لموضوع الدرس وتنسيب الرؤى التّي تروم التعميم والتي تمثل المسائل على أنها إما أسود أو أبيض لا درجة لونية بينهما. وقد قيل الكثير في هذا الموضوع وسنحاول ألا نعيد كلاما تكرر بل أن نضيف شيئا من التساؤلات والملاحظات لا غير.

    في البدء لا بد من تنزيل المسألة في إطار عام يهمّ كلا الجنسين ذكورا وإناثا ويتمثل في عودة الشّعور الديني. ولا بد من تنزيلها في سياق عالمي فالجدل حول الحجاب يظهر مؤخرا بين الحين والحين في أوروبا خاصة حيث بدأت الاقليات الإسلامية منذ أكثر من عقد تستفيد من مناخ الحريات وتطرح إشكالية حرية المعتقد وطرائق ممارسته في الديمقراطيات الغربية.

    ولا بد من تنزيل المسألة في إطار الحاجة إلى حسم التساؤلات حول من نحن ومن نريد أن نكون، فقد وصلت الديانة الإسلامية الى قرنها الخامس عشر وهذه الحركيّة التي تشهد اليوم تعبر عن تغيير ضروري وإصلاح بات وشيكا وملحّا. وما بعض التعبيرات المتشنجة إلاّ ترجمة لمخاض سائر نحو ما عرفته ديانات أخرى من مراجعات وإصلاحات سمحت لها بالاستمرار في التاريخ؟

    ولكن في ما يعلق باللباس تحديدا؟

    أنماط اللّباس التي تتحدثون عنها هي أحد مظاهر هذه الحاجة التي أصبحت منتشرة في العالم الإسلامي،  إلى حسم التساؤلات حول من نحن ومن نريد أن نكون، وفي غياب المعارف والتنمية والعلم وفي غياب مشاريع حضارية واضحة وحقيقية لا تختزل وجود الجموع في بعد واحد قد يستحيل هوسا خانقا. في غياب آفاق ثقافية وتكنولوجية واستراتيجية تطرح ما يليق بالعالم الإسلامي من تموقع ضمن التوازنات العالمية الجديدة، يكون الجواب عبر التشبث الحرفي ببعض الرموز الظاهرية وعبر التمسك بشكليات الطقوس أي عبر الميل إلى ما يعبر عن الانكفاء على الذات.

    نحن نقول: لعل عدو الرجل والمرأة وعدو الدين هو الجهل الذي يتجلى من خلال بعض السياسات الغربية الخارجية التي تنم عن تقصير في تنمية المعرفة بالعالم والتاريخ الاسلاميين ومن خلال تأويلات السلفية السياسية الدينية التي تذهب احيانا الى تأويلات تعبر عن غياب لمعرفة مقاصد الرسالة. وأنماط اللباس التي توافق مناطق جغرافية وثقافية محدّدة من قبيل البرقع والنّقاب هي نتيجة وليست سببا، وإن أردنا فهم مجريات الأمور يجب معالجة فهمنا لاسباب هذه الأنماط من التأويل.

    ما هو الرهان إذا؟

    والمسألة مركبة ومعقدة فإن كان من البديهي أن تحترم الاختيارات الفردية، فإنه كثيرا ما تستغل الجهات التّي تسعى الى تسييس المسألة انتشار مظاهر التدين الخارجية للترهيب وللإيهام بأنها أصبحت تحظى بقواعد شعبية.

     وعلى الباحث الصادق ألا يحكم على هذا التدين الذي يبقى مسألة فردية قبل كل شيء، تحترم فيها حريات الافراد الشخصية بشرط الا تضرب مبادئ الجمهورية أوقوانين الاحوال الشخصية وألا تضرب الأعراف السائدة.

    هل يمكن حصر الأسباب الرئيسة الكامنة وراء الظاهرة؟

     لا يمكن حصر الاسباب في هذا الحيز البسيط ولا يمكن حصرها في كلمات فالمسألة معقدة شيئا ما وسنحاول المشاركة بالإجابة على هذا السؤال العويص دون الادعاء أننا أمسكنا كل معطيات الإشكالية:

    غياب مشاريع حضارية واضحة في المنطقة العربية الإسلامية

    و يبقى الحجاب جوابا على غياب الجواب في مسألة الهوية ونتيجة لعولمة لم تستثمر في الارتقاء بالمستوى الثقافي للجموع:

    وإن أخذنا مثال البلاد المصرية وهي مقياس مركزي (شئنا أم أبينا) لحرارة العالم العربي، فإننا نلحظ عدم حسم في مسألة هوية الدولة الوطنية المستقلة، ينضاف إليها تراجع الطروحات الماركسية والقومية والاشتراكية. فالعولمة ساهمت في بلورة شخصيات ضعيفة لدى بعض الشباب، شخصيات تستمد وجودها انطلاقا من ظاهرة المحاكاة، طالما انها لا تجد مبادئ قوية تؤمن بها فبعد انكفاء فكرة القومية وفكرة الاشتراكية لم يبق لها بدائل مقنعة ومحفّزة وقوية تتشبث بها. أما فكرة الديمقراطية فهي تشق طريقها في مصر لكنها تعاني من أزمات التنمية وأزمات الاقتصاد العالمي وتحتاج الى توطيد الإدارة الرشيدة.

    وفي غياب هوية واضحة يرتكز عليها الشباب المصري، هوية من شأنها ان تعبّر عن حاجياتهم وأن تسد آمال هذه الاجيال المتعطّشة إلى معرفة الوجهة التّي يجب اتخاذها. وفي غياب عديد المحدّدات تكون أشكال التدين الشعبي أحد ردود الفعل الطبيعية.

    هناك إذا وعي جديد بضرورة التمسك بأي معطى ثقافي ذي معنى وفي غياب أفكار جديدة وبدائل مقنعة وحاملة لقوة جذب شعبية جاءت فكرة العودة الى اشكال التدين المادي لتعبر عن ذعر الجموع وضياعها. ويبقى الحل طبعا في العمل وفي الابتكار لكن في اجواء لا يحس فيها الفرد بالاعتزاز والنخوة بمن هو، يجب قبل كل شيء إعادة بناء هذه الشخصية ومقوماتها.

     

    وتنضاف إلى ذلك الحاجة الملحة لتنظيم ما يبث وما ينشر على نطاق شعبي واسع في بعض الفضائيات من أحكام ومعلومات قد لا تصدر عن مرجعيات دينية لها الأهلية العلمية والقدرة على الحسم والفصل بين الغث والسمين. فنشهد أحيانا في نفس القضية خصومات وتأويلات تذهب الى حد التناقض فيدخل البعض في مزايدات لا نهاية لها، يكتسي فيها غالبا مبدأ التعسير لون الجدية ويدخل المشاهد في دهاليز لا مخرج منها.

    وهم الفجوة الجديدة بين الإسلام والحداثة

    ومن الاسباب التي تقبع وراء الحل الديني، اهتزاز صورة الحداثة وأؤكّد هنا على كلمة صورة فنحن لسنا بصدد الحديث عن الحداثة بماهي مبدأ ومطلب ، بل بعلاقة الجموع بها، فإن لم يُتح لهذه الجموع تعلم لغات غربية أو الاحتكاك الفعلي بهذا الآخر عبر السفر واللقاءات البشرية المثرية فإنّها ستنشأ على عدم معرفة هذا الآخر وهو أقصر طريق لبناء الصور النمطية والكراهية في علاقتنا بالآخر.

    وإذا واصلنا التفكير في الفجوة التي نشأت مؤخرا بين الجموع الإسلامية وبين قيم الحداثة فإن من أسبابها: تقلص البرامج الغربية وتحديدا الأوروبية والمتوسطية المرصودة لتصدير ثقافاتها وهو نتيجة طبيعية لانتهاء الحقبة السوفياتية والاشتراكية، وظهور عولمة لم تستثمر في الثقافة بدعوى أنها لا تخضع لمنطق التجارة المربحة. ولم يفكر أقطاب النظام العالمي الجديد في السّلم الثقافي بين البلدان الذّي هو أحد مقومات السلم الاجتماعي والازدهار الاقتصادي.

    ومن أسباب الفجوة إغلاق الحدود والتضييق على الرّاغبين في عبور الحدود من جنوب المتوسط الى شماله ومن العالم الإسلامي إلى العالمين الأوروبي والأمريكي منذ 2001.

    ماذا بقي إذا للمسلم البسيط وللمسلمة البسيطة سوى الانكفاء على النفس ومحاولة التّشبث بأية قيمة لا تزال تتمتع بشيء من التماسك، وماذا بقي سوى قارب النجاة الأخروي الديني بعد سلسلة من الانتكاسات والخسارات.

    المحدد الاقتصادي

    وهناك اسباب أخرى عديدة أهمها المعطى الاقتصادي، الذي يبقي في رأيي المتواضع مربط الفرس، فماهو موقع العالم الاسلامي اليوم في العالم؟

     فالقوة الوحيدة التّي يمثلها هي قوة العدد، عدد الشعوب المستهلكة أو بعض الشعوب المنتجة للثروات الطبيعية. رغم أنه لا بد من الإقرار بأن هناك بلدان إسلامية مصنعة ومنتجة للتكنولوجيا مثل أندونيسيا والباكستان وايران وتركيا. ومن الاعتراف بأن العالم العربي لم يصل &#


  • Commentaires

    Aucun commentaire pour le moment

    Suivre le flux RSS des commentaires


    Ajouter un commentaire

    Nom / Pseudo :

    E-mail (facultatif) :

    Site Web (facultatif) :

    Commentaire :