• نحن في حاجة إلى حداد ح&#16

    الباحثة والجامعية امنة الجبلاوي

    نحن في حاجة إلى حداد حقيقي...

     

    «هي ثورة صور ورموز نجيب عليها بالصور والرموز» تقول آمنة الجبلاوي الباحثة والجامعية المهتمة بالترجمة والاستشراق والاديان المقارنة، أجري الحوار بمكتب قسم الترجمة بالمعهد العالي للعلوم الانسانية (ابن شرف) بتونس مساء الثلاثاء 25  جانفي 2011 غير بعيد عن ساحة الحكومة بالقصبة حيث يعتصم أهالي دواخل تونس لإسقاط الحكومة المؤقتة. في حدود السابعة والنصف مساء وأمام جامعة 9 أفريل انزلت حافلة تابعة للشركة الجهوية للنقل بالقصرين، جموع «قافلة الحرية بتالة»، الكثير من المنافذ الى القصبة مسدودة بقوات الامن التي كانت تدعو الجميع إلى العودة الى بيوتهم.

    ثمة رؤى جديدة تنتشر في المدينة تونس وفي البلد تونس، هنا الحوار مع آمنة:

    كيف عشت ما حدث، وما هو التّحليل الذي تقدمينه، هل يتعلق الامر حقا بثورة؟

    ـ عشت الأحداث على الفايسبوك، أنا من جيل الأساتذة الذين يؤمنون بأهمية هذه الشبكة الاجتماعية وبسطوتها ونجاعتها على علاتها ومخاطرها. وفي الوقت الذي كان فيه بعض الأساتذة يتعففون من ولوج هذه الشبكة وينظرون إليها على أساس أنها تروج للثقافة الشعبية وتعكسها وأنها مضيعة للوقت، إذ كان بعض الزملاء والأصدقاء من الوسط الثقافي يرون فيها مجرد وسيلة للترفيه بين المراهقين.

     ومنذ سنة، منذ فتح حسابي في الفايسبوك، حاولت أن أكوّن شبكة اجتماعية، اخترت فيها نوعية من الأًصدقاء، تجمع بيننا مجموعة من القيم الاجتماعية والثقافية، ومن هنا يمكن الحديث عن شبكات فرعية داخل هذه الشبكة، ممكن أن نذكر منها شبكات الجامعيين، شبكات الصحفيين المستقلين، شبكة الأصدقاء الحقوقيين في العالم، مجموعات محبي  الموسيقى الراقية ومجموعات محبي الشعر الصوفي.

    كانت قبيل سيدي بوزيد "المجموعات الفايسبوكية" متكونة ووصلت بعضها الى 400000 عضو ممّا يؤكد أن مجموعة يشارك فيها نصف مليون تونسي يمكنها ان تلعب دورا مركزيا في تأطير الرأي العام. وكنّا قبل الثورة نتناقل أحيانا بعض الأخبار والأفكار والمقالات الهامة إلى جانب الموسيقى الرّاقية التي حرمنا منها في الإذاعات الخاصة والتي طغت عليها الموسيقى الترفيهية والشعبية التي تصل الى حد الذوق الرديء.

    في الصائفة قبل الماضية تحدثت مع باحثة فرنسية في العلوم السياسية، جوهان كبلار kubler، عن هذه الشبكة، وقد تفطنت هذه الشابة الى البعد والمدى الخاصين الذي تم بهما تحويل مهام هذه الشبكة الاجتماعية من مجرد المجاملات الاجتماعية إلى فضاء ومتنفس للحوار المدني بين التونسيين، هذه الباحثة عزت أو استنتجتأ ربطت بين هروب جملة من التونسيين  من شباب ومراهقين وطلبة واساتذة وقوى حيّة الى هذه الشبكة وبين غياب فضاءات للتعبير الحر في هذا البلد، الغرب فهم أهمية وحجم الفايسبوك في غياب حرية الاعلام والفعل السياسي الحرّ وغياب النوادي والفضاءات الثقافية التي تسمح بالتنفس لشعب وصل الى درجة عالية من الدراية بالمعارف الحديثة ووسائل الاتصال المتطورة وكانت له القدرة على الابتكار وتصريف الخيال عبر هذه الوسائل. وقد وصل المجتمع الى حالة من الجمود خلنا بها أنه كتب عليه أن يكون شبه ميت في المستوى السياسي وفي مستوى الأحداث الكبرى.

    أين نحن الآن؟ في أي طور من الثورة؟

    أعتقد اننا في المرحلة التي يقول عنها نلسن مانديلا، ما يلي: «لسنا احرارا بعد، لقد بلغنا حرية ان نكون احرارا فحسب».

    Nous ne sommes pas encore libres nous avons seulement atteint la liberté d’être libres.

    قال المفكر والفيلسوف يوسف الصديق انه لو كان في حال أفضل لكان افتك دوره بالقوة في هذه الثورة، وقال المؤرخ والمفكر هشام جعيّط أن ما يحدث في تونس هو ثورة باعتبار أنّ هناك أفكار جديدة بصدد الطرح...

     اية ادوار الان للنخب؟

    ـ أعتقد اننا كلنا سنلعب ادوارا إذا ما تركوا لنا المجال، وننتظر من بعض المحافظين أن يفهموا أن البلاد في حاجة الى دماء جديدة، وقد فهمها شباب سيدي بوزيد وقيلت على أفواه الناس البسطاء، ولكن يبدو ان الطبقة السياسية في حاجة الى بعض الوقت حتى تفهم بعض رسائل الثورة، وهذا يمكن أن نفهمه لأنها طبقة تعودت على علاقة عمودية بالمواطنين وعلى سلوك لم يستوعب الفجوة بينها وبين مواطنين برهنوا أنهم فاقوها وعيا، وهي تعتقد انها تمتلك الحقيقة وأنه عليها أن تلقنها لهذا المواطن.

    لو تقدمي أمثلة عن هذه الخطابات؟

    مثلا بعض الخطابات البالية لمن انتمى الى الحزب الحاكم، ونحن نستثني الوطنيين والشرفاء والذين كانوا يؤمنون بالمبادئ الدستورية. كنت أمزح احيانا مع بعض اصدقائي من المنتمين للحزب وكنت اقول  لهم أنا احترمكم ولكن عليكم التفكير بجدية قد قسمة الحزب الى شطرين. تضعون في ضفة الشطر الانتهازي وفي الاخرى الشطر الوطني، ويبدو ان هذا الحزب فعلا في حاجة الى مراجعة جدية والى نقد ذاتي جدي.

    ثمة مطالب شعبية الان بتفكيك وحلّ التجمع الدستوري الديمقراطي وتقابلها مطالب اخرى بعدم اقصائه،  كيف ترين المسألة؟

    أتحدث من منطلق البراغماتية السياسية. أنا مثل كثير من الشباب ومثل كثير من التونسيين من الذين رأوا ممارسات البعض واصابهم قرف لا حدود له من شعارات البعض، مثل أخي المواطن، أو أخي الكريم. ومثل كلمة المباركة والتثمين، وكلمة استحقاقات،التي لا أحبّ سماعها، وكلمة مناشدة، كلّ هذه العبارات التي لا أحبها، تضرب  فكرة المواطنة وفكرة المواطن الذي له كرامة. نحن لسنا إخوة، إخوتنا في بيوتنا، نحن مواطنون ويجب ان لا نخلط بين الامور، نحن مواطنون  في المدينة، عندما نقول اخي المواطن، نخلط بين فكرة المواطنة وبين فكرة الأسرة وقيم التسيير الأبوي والزعامة وعلاقات النفوذ التي كانت ترتب العلاقات بين افراد الأسرة التقليدية، هذا الخلط الذي كانت بعض الابواق تبثه لم يسمح بالتأسيس الفعلي لمجتمع مدني، لكن حان الوقت للبدء في تصحيح المسارفي اكثر من مستوى المستوى الاجتماعي والسياسي وايضا في مستوى التثقيف والتأطير السياسي لهذه الجماهير الثائرة والمتعطشة الى الحرية.

    وصلنا الآن الى مرحلة الرومانسية الثورية والى مرحلة الغضب المعدي، الذي بات من الضروري فهمه وتقديره حق قدره وتقديم الأجوبة التي تريح هذه النفوس وهذه الحماسة.

    أي نوع من الأجوبة تقترحين؟

    اعتقادي ان المجتمعات التي عرفت ثورات بهذه القوة، يمكن ان تنير لنا الطريق شيئا ما، مع احترام فرادة  التجربة التونسية والثقة في أنّ الحلّ التونسي، لما يسمى بعملية الانتقال الديمقراطي قد يكون أفضل من هذه التجارب التي أعدد:

    التجربة الاسبانية في السبعينات، يعلم الجميع ان موت الجنرال فرانكو في نوفمبر 1975 خلف فراغا سياسيا مربكا في اسبانيا، في تلك الفترة نصّب الملك خوان ملكا على اسبانيا وأصبح رأس الدولة.

    عاش الاسبان تقريبا نفس لهفة التونسيين اليوم وأنا منهم في رؤية التغييرات بشكل يلائم ايقاع العصر، خاصة وان هذه الثورة تغذيها ايضا وسائل الانترنت وبعض وسائل الإعلام والتّلفزات التي تقوم بثورتها الخاصة. بعض التلفزات ومنها الجزيرة، التي نحييها، ولكننا نرى في عملها الاعلامي عملا يطالب بنوع من الاثارة الدائمة في تقديم الاحداث. هذا مفهوم فجزء من الاعلام الحديث قائم على الاثارة وعلى استثارة العواطف، وتستجيب ثورتنا تماما الى مركتينغ الاثارة والمعلومة التي لم تعد فكرة نبيلة ترفع مستوى الشعوب وترتقي بها، بقدر ما هي مادة اعلامية وتجارية للاستهلاك.

    لنعد الى التجربة الاسبانية...

    ... ملك اسبانيا اتخذ اول قرار سياسي في 12 ديسمبر 1975، اي تقريبا اسبوعين او اكثر بعد موت فرانكو، ثلاثة أسابيع بعد اعتلائه العرش حافظ على جزء من الطبقة السياسية القديمة وعلى راسها كارلوس ارياس نافارو ووضع لجنتين:

    لجنة الانفتاحيين aperturistes ولجنة الانغلاقيين bunkeristes وبعد بضع أشهر ظهرت في اسبانيا منظمتان سياسيتان للتنسيق الديمقراطي.. وفي الأثناء نزل الناس في الشوارع لطلب حلّ الهياكل الادارية الفرانكية وهذا يمكن ان يذكرنا، ببعض ما يحصل في الشارع التونسي، وان كنت مع غضب الشارع ومع رومانسية المطالب وان كنت مثل الكثيرين اصبت بحساسية ضد كل ما يذكّر بالنظام القديم، ولكن على العاقل ان يتخذ شيئا من المسافة وان يحاول تحليل غضب الشارع، بقدر ما أوتي من نزاهة وعلى الحكيم ان يبدأ التفكير فيما يسمى في المعجم الحقوقي العدالة الانتقالية وآليات او مسار الانتقال الديمقراطي، لأننا لا نريد ان نعيش ما عاشه العراق بعد حل البعث بشكل عنيف وجذري، ولان العنف الذي مورس علينا والذي يريد غلاة اليسار وغلاة اليمين ممارسته اليوم على من يسمونهم رموز النظام القديم، وهو ما نفهمه دون ان نتفق معه، قد يولد سنوات اخرى من العنف والضغينة.

    النموذج العراقي شهد حل البعث وانتج تصدعات في نسيج المجتمع العراقي لا يزال هذا البلد يعاني من نتائجها، نحن لا نريد أن نكون مثل العراق بل ان نحتذي بمن نجحوا في مسار الانتقال الديمقراطي، وأعطيكم بعض النماذج على سبيل الذكر.

    نموذج جنوب افريقيا، تمّ من خلاله حل نظام الأبارتيد أو ما كان يسمى نظام الميز العنصري، وتطلب ذلك الحل خمس سنوات من الشغل الدؤوب، لأنّ نظام الأبارتيد كانت له هياكل تحمي الفكر التمييزي، تطلّب النموذج الجنوب افريقي محاكم معنوية لتجاوز المرحلة، واقتضى أن يذهب البعض الى هذه المحاكم ليدلي بشهادته حول انخراطه واستفادته من قوانين الابارتيد وحول التجاوزات التي مارسها. وكانت هذه المحاكم لا تحاكم من يشهد بصدق على ما مارسه في فترة الأبارتيد.

    ماذا عن النماذج الاخرى؟

    هناك نموذج البرتغال الذّي عرف سنة 1974 ثورة القرنفل، وهناك نموذج الارجنتين والشيلي وعدد من بلدان امريكا اللاتينية دون ان ننسى بلدان اوروبا الشرقية بعد سقوط جدار برلين. لدينا نماذج كثيرة، ولأننا نتطلع الى الحرية والكرامة والمواطنة فقد اخترنا قيما كونية واعطيناها من روحنا ومن خصوصيتنا الكثير، ولأنه لا تعارض بين الكوني والوطني فإنني ارجو من شباب هذه الثورة وأحرارها ان يقرؤوا عن تجارب الانتقال الديمقراطي في البلدان التي ذكرتها، عوض ان نستنزف طاقتنا في نوع من "التخميرة" التي لم نحسن الاستفاقة منها، لنتوقف بعض الوقت للتفكير في تجارب من سبقنا من الشعوب.

    كيف ترين المستقبل؟

    لا يمكن ان نمر الى مستقبل بنّاء وايجابي دون ان نقوم بحداد فعلي على الزّمن السابق. لم يتركونا نقوم بذلك، وأعتبر أن بعض من ينتمي الى الطبقة السياسية اليوم ويريد ان يفعل في المجتمع اليوم، يمتلك خطابا سياسيا وحلولا سياسية فاقدة للصلوحية. بعض هؤلاء يجدر بهم اخذ تقاعد مبكر. والمسألة ليست مسألة سنّ فهناك من شارف على السبعين لكنه يملك عقلية سياسية تقدمية وهو مطلب التونسيين الآنيّ.

    لو تفيضي أكثر في فكرة الحداد الفعلي

    هناك أشياء كثيرة للقيام بالحداد، أنا أتفهم أنّ الحكومة المؤقتة لها أولويات وتعيش ضغوطا كثيرة والملفات التي يطلب منها أن تحلها اكبر، مما لا يمكن حله في أيام معدودات لكن هذه الحكومة نجد فيها اشخاص مثل الطيب البكوش ومثل عياض بن عاشور، ومثل احمد ابراهيم ومثل الدبّابي الذين يعتبرون ضمانات اخلاقية لسلامة المسار، غير انها لا تحمل دماء جديدة كثيرة ما عدا سليم عمامو.

    الثورة، بنت الدماء الجديدة، وتواصل الحكومة مع الشارع التونسي اصبح من اعسر الامور لأن سقف انتظاراته وسقف تحفزه وانتباهه اليوم لأبسط التفاصيل، هو في أعلى درجاته. من الضروري احترام انتظارات هذا الشارع الغاضب وهناك إمكانيات لامتصاص هذا الغضب وتصريف هذه الطاقات في اشياء ايجابية واحتوائها.

    كيف؟

    جانب من غضب الشارع يعود الى سوء احتواء آلام التونسيين الذين فقدوا ابناءهم ورأوا بأعينهم تونسيين اخرين يسقطون في الأيام الماضية موتى، هذا الالم في حاجة الى حداد، وحداد حقيقي لا يختزل في الاعلان عن ايّام حداد.

    كيف يكون الحداد الحقيقي برأيك؟

    هو اعتذار من أساء للناس، اما بشكل مكتوب او مسجّل، رأينا فيديوهات ترينا دماغ احد شبان القصرين وقد انشطر الى نصفين، وكما رأينا الاطار الطبي في احد مستشفيات القصرين وكما رأينا الجامعي حاتم بالطاهر مضروبا برصاصة في الرأس وملقى على الطريق، عنف هذه المشاهد لا يمكن ان يمر دون مصاحبة واحتواء معنوي عبر فيديوهات لأشخاص استفادوا من مناصبهم او استفادوا من الفساد بأخذ رشاوي او بعض من شارك في أعمال العنف ومن استعمل الرصاص، من الضروري ان يعتذر هؤلاء رمزيا الى الناس..

    ترتفع الان اصوات كثيرة في الشارع ومن كل الضفاف، وهناك خلط ومحاولات لترويض حصان الثورة الهائج. كيف ترين المشهد؟

    هناك أمر غريب، ما يحصل من مزايدات ومن حسابات يجعلني احيانا أتساءل هل ان هذه الاطراف السياسية في مستوى انتظارات شباب الثورة.

    اكتساح اليمين المتطرف واليسار المتطرف للفضاء الاحتجاجي احيانا، وللأحياء الشعبية بإسداء خدمات اجتماعية للعائلات الفقيرة يجعلنا نحذر من هذا الابتزاز العاطفي والسياسي لمشاعر البسطاء وان كنا نثق في ذكاء التونسيين فإننا نخشى في غياب الجمعيات التنموية والهياكل الاجتماعية الرسمية ونظرا لصعوبة اشتغال المنظمات غير الحكومية اليوم بسبب حظر التجوال، ونخشى من انقضاض هذه الطبقة السياسية على جزء من عواطف الناس. هناك جيل تعايش مع الرئيس السابق، منهم من استفاد من حكمه ومنهم من عانى منه وكلاهما في فخّ الآن، يعاني من أساليب وخطابات لا تهم الشباب والشباب فهم أنها لا تعنيه، حتى من عذّبه الجلاد كثيرا وتعوّد دور الضحية أصبح غير قادر على البناء الايجابي لأنه تعود على الرفض وأصبح قوة


  • Commentaires

    Aucun commentaire pour le moment

    Suivre le flux RSS des commentaires


    Ajouter un commentaire

    Nom / Pseudo :

    E-mail (facultatif) :

    Site Web (facultatif) :

    Commentaire :