• لتطمئن نفسي

    لتطمئنّ نفسي

      

     

    "يرى أركون في عمله تاريخية الفكر العربيّ([1]) أننا في حاجة إلى الاطلاع على الأعمال الاستشراقية، لفتح مساحة للتفكير الحرّ في المسألة الدينية، حتّى يقع استبدال مناخ »اللاّثقة« السائد بحوار علمي إيجابي."

     

     

     

    اشكر مجلة حقائق على فرصة المشاركة في تطارح بعض المسائل وتقديم بعض الاجابات التي تبقى قابلة للتطوير والتعديل والتي تعي حدود ما قد يصل اليه جهد الفرد الذي يحاول وسعه المساهمة في اثراء الحوار عبر أجوبة هي اساسا تساؤلات ومحاولة لتقديم نتاج تراكمات يعود الفضل فيها الى ما حصل بفضل ما سمحت به تجربة بحث ودرس مازالت في مسار البدء.

    1-   لديك اهتمام بالاستشراق الانجلوسكسوني فما هي الإضافة التي تقدمها هذه المدرسة الاستشراقية؟

    يقودنا السؤال إلى النّظر في دواعي اهتمامنا بهذه المدرسة وهما على الأقل سببان الأول هو الرغبة والحاجة إلى إثراء مكتبة البحوث بالنظر فيما  ينشر في الجامعات الانجلوسكسونية وخاصة في الأقسام التي تهتم بتدريس اللغة العربية وتلك التي تعنى بدراسة الشرق الأدنى (Departments of Near Eastern Studies) ، والثاني هو ضرورة الاهتمام بنظرة هذا الآخر الذي يتحكم في مصائرنا فهذه الأبحاث والقائمون بها يشتغلون أيضا في المراكز البث الاستراتيجية التي تخطط لسياسات الشرق الأوسط ومنهم من يستشار في الكونغرس، لذلك كان لزاما علينا أن نفهم تمثلات هؤلاء عن الثقافة العربية الإسلامية.

     ولا بد من الاشارة الى وجود أكثر من تيّار انجلوسكسوني في حقيقة الامر فإن كانت تجمعهم ثقافة ولغة واحدة، فإنه لا مناص من الحديث عن مدارس مختلفة المشارب. أما المدرسة التي اخترنا الاشتغال عليها فلها خصوصيات وقد اخترنا مايكل كوك وباتريسيا كرون[2].

    وسأستفيد في جوابي حول إضافات هذه المدرسة، ببعض ما ورد في كتابي الإسلام المبكر الاستشراق الانجلوسكسوني الجديد[3]. " لعل مزيّة الباحثين في هذا التحرّر من قيود السائد، هي الجهر بما سكت عنه مستشرقون سابقون. وقد عمل الباحثان بشكل مكثف على مجموعة من المصادر غير الإسلامية* أو المصادر الخارجية المعاصرة لزمن النشأة والتي تمثل شهادة وقع في رأيهما إقصاؤها إلى يومنا هذا، والمقصود بالخارجية أنها دوّنت خارج دائرة المنظومة الثقافية الإسلامية. كما أنهما سيحاولان تنزيل الإسلام "المبكر" في محيط الحضارات القديمة وفي الفترة الموافقة لأفول هذه الحضارات. "

    "وقد أعلن الكاتبان أنهما اعتمدا مقاربة جديدة تختلف عن سابقاتها من حيث تحررهما من القيود التقليدية واستقلالهما عن التقاليد السائدة في حقل الإسلاميات. واعترفت كرون أنها حاولت بمعية مايكل كوك أن تضع بشيء من "التهوّر والطّيش" أسس طرح فكري متناسق في حقل لا تزال أغلب معارفه في حاجة إلى حفريات عميقة. فقد أرادا أن يؤكّدا لذلك القارئ الذي فقد إيمانه ولم يفقد اعتزازه بجذوره الإسلامية، أن لغتهما التقييمية في تحليل الفترة التكوينية للحضارة الإسلامية، لا ترنو إلى إضافة أحكام تبسيطية ضدها أو لصالحها." " وأهم مقومات هذه المقاربة هي نزوعها إلى نقد النّصوص والمصادر الإسلامية. وهي مقاربة مستوحاة من النقد "الليبرالي" للعهدين القديم والجديد[4]. وكان غولدزيهر وشاخت وفلهاوزن أبرز من قام بتطبيق هذا المنهج النقدي في الاستشراق الكلاسيكي".

     

    و نجد هذه الرؤى في الواقع عند هنتينغتون وفوكوياما وعند المحافظين الجدد الذين عادوا بقوة مؤخرا، ولم تتطور طروحاتهم كثيرا عن نظريات الصّدام والعنف: إذ "يرى المؤلفان أنه يمكن تفسير انتشار الإسلام بنشأة حركة الفتوحات ولكن النجاة التي وقع إجهاضها في الإسلام "الأرثوذكسي" السنّي، يمكن أن تتواصل في "مهدية" الشيعة. وفي المناطق الحدودية النائية والقصيّة ويمكن للحضارة التي قمعتها السنّة أن تتواصل في الشيعة والصوفيّة. إن الدولة الإسلامية ليست ممثلة بشكل جيد في الواقع الحالي الهمجي للدول الإسلاميّة ولكنّها تسجّل حضورها بشكل متقطّع في التّصادم مع غير المسلمين أو"الكفار".

    " إنّ نصوص القرن الثّامن وبشكل أخصّ نصوص أواسط القرن الثامن اليهودية والمسيحية أوالإسلامية، تنتمي إلى نفس الأفق الفكري وإلى نفس التصوّرات المعرفية والأساليب اللغوية أوحسب العبارة الفوكولتية إلى نفس »الابستيمية«. لقد اتّهم الباحثان النصوص العربية بعدم الموثوقية وبكثرة النحل انطلاقا من دافع بناء الدولة الإسلامية ومن انتماء واضعي هذه النصوص إلى "نخبة" متواطئة مع سلطة سنية حاكمة ومن حاجة العلماء إلى تقديم صورة مثالية ومتماسكة عن الدين الذي رفع شأنهم"

    إذا أردنا أن نلخص إضافات الاستشراق عموما وإضافات هذا التيار خصوصا فإن الاستشراق قدم لنا خدمات جليلة من حيث تقديمه واستعماله لمناهج وادوات درس جديدة لتراث نصي تمّ تركه لأكثر من خمسة قرون. بالإضافة إلى الأدوات المنهجية، ساهمت هذه المدرسة في تحقيق كم لا يستهان به من المدونة التراثية، وقد أجادت انتقاء النصوص وأحسنت في كثير الاحيان تقديمها والتعليق عليها.

    أما هذا التيار فقد أضاف على علاته بعض التساؤلات. وقد توجه اهتمامي في كتاب الاسلام المبكر الى تقديم اطروحاتهم وتمثلاتهم للإسلام في فترة النشأة في مرحلة اولى، ثم إلى تفكيك الهنات العلمية في ما نطقوا به وما سكتوا عنه. هذه التساؤلات تهم ضرورة نقد بعض المصادر التي يسمونها مصادر داخلية Internal Sources أي مصادر منتمية الى المنظومة الاسلامية وحاملة لرهاناتها. إذا نبهنا الباحثان الى ضرورة تنزيل الشهادة الاموية داخل اطارها والشهادة التي كتبت في ظل الحكم العباسي في اطار العداوة مع الخلفاء الامويين، الى غير ذلك من الاعتبارات. كما نبهانا الى ضرورة التعاطي مع النصوص باعتبار أنها شهادات دونت بعد 150 سنة من الدعوة أي بعد حوالى خمسة أجيال من المرحلة الأولى مما ينبهنا إلى أن هذه النصوص ليست بالموثوقية الآنية التي اعتقدنا لفترة طويلة.

     

    2-   لماذا لم تتخلص هذه المدرسة حسب رايك من بعض مضمرات ومسلمات الدراسات الاستشراقية ؟

    طبعا، لهذه المدرسة هنات كثيرة، فهذه الطروحات الناقدة للإسلام السني لا تحسن التمييز بين المالكية والوهابية فتلتقي بذلك مع تمثلات بعض صقور المحافظين الجدد الذين ينزعون إلى اختزال الاسلام في تعريف تبسيطي. فهم يعتقدون في وجود إسلام معولم يحمل نفس السمات من افغانستان إلى موريتانيا بينما يبدو الواقع شديد الثراء والتنوع بالقياس الى هذه الصور النمطية التي تذهب الى الاعتقاد في وجود إسلام شامل A global Islam. هذا إذا خطاب ينطلق من منطق شمولي ينزع الى التعميم وينأى عن التّحليل فيقارب المسألة كما لو كان الإسلام حزمة من الخصائصviewing islam as a package  التّي تتكون من نفس المعطيات والحال أنّ التأويلات عديدة وحمّالة أوجه وأن الرّؤى متعددة وأن الاختلاف رحمة في غالب الأحيان.  

    يتّسم عمل الباحثين بخطاب تاريخي يكتسي شيئا من الضّراوة والعدوانية تجاة تاريخ الإسلام، ولعلنا نفهم اسباب الضراوة إذا ما عرفنا أن استاذهم هو المؤرخ برنارد لويس. ويبدو أن الباحثين يواصلان هنا تقليدا استشراقيا يتمثل في الاهتمام بالنصوص السامية القديمة. وللأسف فإننا لم نستطع في هذا المستوى من عملنا الإطلاع على جلّ المصادر غير الإسلامية ولكننا لاحظنا أن هذه المصادر ماعدا نص القصيدة التي تعود حسب المؤلفين إلى 634م والتي لم تنشر بعد عند طبع مُؤَلفهما ولم نجد لها أثرا في كل المكتبات التي ارتدنا أو عند بحثنا عبر "الأنترنيت"، تعود إلى فترة ما بعد الفتوحات مما يجعلها مندرجة ضمن الأدب السجالي الديني الذّي دار بين رجال الدين من مسيحيين ويهود إثر انتشار الإسلام وهو ما يدعونا إلى توخّي الحذر في التعامل معها لأنها تتعامل مع الحدث الديني الإسلامي تعامل المَغزُوِ الذي يجب أن يدافع عن وجوده.

    إنّ هذه النصوص تمثل مصادر مهمّة ومثرية لكننا نحترز من الموقف القائل بأنها أكثر موثوقية من النصوص العربية، وإنها قادرة على إخبارنا عن الفكر "التيولوجي" للقرن السابع وهو ما لا يتسنى للنصوص العربية التي يعود معظمها إلى أواسط القرن الثامن. هل تفطن الباحثان إلى هذا الخطأ المنهجي؟ وهل تراجعا عن تفضيلهما لهذه النصوص؟

    إنها في رأينا " نصوص تكتسي نفس القيمة التاريخية التي تكتسيها النصوص العربية من حيث قدرتها على إخبارنا عن ظروف تشكل الدين الإسلامي في فتراته الأولى. وقد تكون أقل قيمة من النصوص العربية في بعض الأحيان على الأقل فيما يتعلق بالنصوص الأرمنية واليونانية التي فضلها الباحثان على النصوص العربية في حين أنها نصوص بعيدة عن المحيط الجغرافي الإسلامي الأول. فالمعلومات التي نجدها فيها تكاد تكون بضعة أخبار متفرقة عن حدوث شيء مثير بجزيرة العرب لا غير. إذ أن طبيعة جغرافية الجزيرة العربية منعت وجود اتصالات كبيرة بين الشعوب الأرمنية واليونانية والقبائل العربيّة في بداية الدعوة."

    إذا هناك في عمل هذا التيار الانجلوسكسوني تهافت منهجي وتهافت لخطاب[5] يلبس لبوس العلم ويحمل سمات الخصومة والسجال.

    ونصل بذلك عند رواد هذا التيار، إلى ما ذكرنا به أستاذ الإسلاميات نورمان دانييل في كتابه الإسلام والغرب أي إلى "خطاب يرتد الى مستوى الجدل القروسطي من كلا الطرفين، أي من جهة بعض المتكلمين باسم الدين السلامي وكذلك مما يرد عن بعض المتحدثين ضده".

    3-   هناك من الباحثين العرب من يعتبر انه لا بد من تاسيس علم الاستغراب في مواجهة الاستشراق كيف تنظرين الى هذا الرّأي؟

    إذا ما عدنا الى عمل حسن حنفي مقدمة في علم الاستغراب[6] فإننا سنجده يضع "علم الاستغراب" في مقابل "الاستشراق". ثم يحدثنا عن "تكوين الوعي الاوروبي بما هو إثبات لتاريخيته لأنه ليس وعيا عالميا يمثل جميع الحضارات بل هو وعي خاص لصيق بظروف خاصة"، لكن إن تركنا جانبا هذه المسألة، فإنه لا بد من الإقرار الحضارة الأوروبية تبقى حضارة تقدمت بالبشرية وقدمت لها ولا يمكن للحكيم إلا أن يأخذ منها دروسا في أكثر من مستوى منها المستويين المعرفي والتكنولوجي. وهذه الدروس لا يجب أن تثنينا على نقد بعض السياسات المتناقضة من جهة وعن حب الاطلاع على ما يجري في الغرب من اكتشافات وما يحصل في ميادين شتى من جهة أخرى.
    وإن كان الاستشراق قد اقترن في ما مضى بالاستعمار وبغايات أساسها الهيمنة على "الشرق" عبر معرفته
    [7]. فإن الذي يريد أن يفهم الغرب ويحلم بأن يستعيد هيبته في موازين القوى الكونية لا بد له من ممارسة نوع من الاستغراب. أي من جمع معرفة واطلاع يسمح للمستغرب بامتلاك وسائل إفحام الغربي ووسائل التفوّق عليه. الاستغراب هو ربما مرحلة اساسية أما العودة إلى الماضي فحسب فستحبس الآفاق في تاريخ لا يملك كل مفاتيح الانتصار الحضاري في المستقبل.         

    وربما كان على العرب والمسلمين التفكير في طرائق الاضطلاع بمهمة تكوين لوبيات قوية في كل العالم للدفاع عن مصالحهم وعن ثقافتهم الراقية. وعوض هذه المبادرات لتصدير حقيقة وجدانية تهم الافراد بالأساس وتتعارض أحيانا وحريات الاخرين وتتنافى مع مبادئ احترام حق الاختلاف في هذا الصدد. كما يجدر بهم في رايي أن يسعوا الى التألق في مجالات يحذقونها مثل التجارة... فكم نحن في حاجة إلى بعض النجاحات وإلى حضور إيجابي في سياق الحاضر وكم نحن في حاجة إلى إبراز زوايا الضوء في هذا العالم العربي الإسلامي الممتدّ.

    ونذكر ان الثقافة العربية الاسلامية تتكون من مزيج من المعطيات لا يمكن اختزالها في الديني، فهي ثقافة برزت في الطب وفي علوم الفلك والجغرافيا والادب فلماذا نسينا ان معركتنا ليست معركة تسويق وفرض لرؤانا على الآخر بل هي معركة تنمية وتصنيع.

    4-   هذا الجدل يحيلنا بشكل او بآخر إلى العلاقة التي تتعدد حولها الاجتهادات بين العلوم الانسانية ودراسة الظاهرة الدينية في مختلف تمظهراتها خاصة وأن البعض يحاول من خلال الاشارة الى ما يرتبط  بهذه الظاهرة من قداسة وضع قيود على تعاطي العلوم الانسانية مع الظاهرة الدينية فما هو رأي الاستاذة آمنة الجبلاوي؟

    ما سيرد في جوابنا هو محاولة لرصد الأسباب وفهم الظّاهرة ولا علاقة للجواب بمشاعر الناس ومعتقداتهم وعاداتهم الثقافية والاجتماعية. ولا يشك عاقل في أن تحليل المسائل لا يمس من الاحترام المرصود للشأن العقديّ. وما يحاول البعض الإيهام بأن العلوم الإنسانية والمعارف الحديثة لا يمك 


  • Commentaires

    Aucun commentaire pour le moment

    Suivre le flux RSS des commentaires


    Ajouter un commentaire

    Nom / Pseudo :

    E-mail (facultatif) :

    Site Web (facultatif) :

    Commentaire :