• مستقبل اللغة العربية

    مستقبل اللغة العربية

    في البدء كانت فكرة دعونا لها منذ سنة وهي أن المواقع السبرانية العربية من شأنها أن تساهم في دعم اللسان العربي ودعونا إلى ضرورة النهوض بمستوى هذه المواقع و بمحتوياتها لأنها قناة اتصال لها مساحتها و لها جمهورها.

     هذه المقالة هي إعادة صياغة بسيطة و سريعة لمداخلة قدمت في إطار مائدة مستديرة نظمتها صحيفة الشروق التونسية في ملحقها الثقافي منذ سنة تقريبا...

    هي تلبية لدعوة من صديق نعتز بثقته في جيلنا و نعتز بمواضع اللقاء و التواصل معه.

    1.               في الثوابت

    أعتقد انطلاقا من تجربتي المحدودة و التي تقوم على حب للثقافة والمعرفة وعلى كثير من الاستقلالية، أن الحرية هي الثابت الأول.

     و إن كنا لسنا من ذوي الرغبات أو الإرادات المتكاسلة التي تختار سهولة الارتياح إلى عدد من الثوابت القائمة ... لكننا كما ندرك أن أهمية مراجعة و نقد جملة من الثوابت الثقافية و الايديولوجية التي لا تتوافق و رهانات الساعة يجب أن ننطلق من ثوابت أو لنقل مبادئ أخرى، نختارها بشكل واع و حر و نبني أنفسنا انطلاقا منها...

    2.               اللغة العربية بما هي ثابت ثقافي

    ثوابتنا هي الثقافة و المعرفة الحرة و هي لغتنا العربية التي نلجأ لها أحيانا كما لو كانت وطنا حبيبا و بيتا لذواتنا و هذا لا يعني التعصب لها فنحن نحب اللغات و نرى أنها تثري معرفتنا بالآخر صديقا كان أو غير صديق.

    اللغة العربية هي واقعنا و هي تشبهنا تنبئ بضعفنا حينا وبقوتنا أحيانا و هي تخبرنا اليوم عن راهنيتها فهي متواجدة في الانترنت و في وسائل الاتصال الحديثة، لذلك لا بدّ لنا من التّنويه بالنّقاط الايجابيّة التّي لا يمكن أن نتغاضى عنها. اللّغة العربيّة على عكس رغبات العديدين مازالت حيّة.

     ولا يفوت أحدا أنّ بعض الأوساط تريد أن تروّج لكون اللّغة العربيّة لغة ميتة أو سائرة نحو الموت وهناك من يستعمل هذه العبارة في بعض الجامعات الاروبيّة. رغم أنف هؤلاء ، تستعمل اللّغة العربيّة اليوم في الانترنت وهذه من النّقاط الايجابيّة التي يمكن أن تساعد العربيّة على أن تبقى راهنة رغم محدوديّة بعض المواقع في مستواها الفكري ولكن وجود هذه المواقع وكثرتها دليل على أنّها لغة مازالت حيّة وموجودة ومستعملة عدد المواقع العربيّة يبشر بالخير لكن ربّما علينا أن نعمل على تفعيل المستوى.

    3.               اللغة العربية وطفولتنا بين الثابت والمتحول

     أتذكر أنّني استفدّت فيما استفدّت من مطالعة كتب توفيق الحكيم وكمال الكيلاني وجرجي زيدان... و استفدّت في طفولتي من البرامج التربوية و من الصّور المتحرّكة. و من إيجابيّات التّلفزة ومزاياها ليست بالكثيرة هي عدد لا بأس به من سلاسل الصّور المتحرّكة التي تمّت دبلجتها بعربيّة مقبولة. على عكس المسلسلات المكسيكيّة المدبلجة بلغة عربيّة "ممزوجة بعامية قد تلامس الركاكة" إن صحّت العبارة دبلجة الصّور المتحرّكة كانت في مستوى معقول وعلى شركات الإنتاج التلفزيوني أن تستفيد من خبرة أساتذة العربيّة وهذا ما يقودنا للحديث عن التّرجمة.

    هناك مستوى أدنى في إنتاج برامج الأطفال و الصّور المتحرّكة في القنوات العالميّة و لا تقدّم بعض القنوات العربيّة للأسف إلاّ مشاهد العنف في الصّور  لذلك أفهم الأولياء الذين يوجّهون أبنائنا لمشاهدة القنوات الأجنبيّة... المشكلة هي الخطاب القائم على العنف والمضامين الخطرة هذا يطرح إشكالات أخرى... يمكن ترجمة بعض الصور المتحرّكة الأروبيّة ذات المستوى العلمي والتّكوين البيداغوجي... الصّحة- المغامرة- الاكتشاف، عوض المعارك.

    الطفولة هي أحد ركائز المستقبل و "ثوابته" فلنستثمر في جعل اللغة العربية ثابتا لهم يحبونها بشغف و لا يتلقنوها كما لو كانت دواء يجبرون على تناوله.

    المشكلة هي كيف تدرّس العربية للأطفال و المراهقين والشباب؟ بأي مستوى وبأية روح؟

    4.               اللغة العربية و الترجمة

    التّرجمة تعاني في العالم العربي مقارنة بما يترجم في اللّغات الأخرى وخاصّة الإسبانيّة. و المطلوب الآن هو التّكثيف من التّعريب لأن التّعريب سيكون أحد استراتيجيّات الانعاش وربّما إبقاء العربيّة على مستوى من الحيوية.

    و يمكن الاستفادة من التّجربة السّوريّة من خلال التّبادل العلمي في مجال تعريب العلوم الانسانية و الصحيحة. هناك بطبيعة الحال مجهودات فرديّة... الباحث اليوم مطالب بأن يكون مطّلعا على العربيّة والأنقليزيّة والفرنسيّة على الأقل. يجب الاطلاع أيضا بالنسبة للباحث في مجال الطّب على ما قدّمه ابن الجزّار وغيره من الأطباء العرب ليتمكّن من تعريب بعض المصطلحات ويضيف إليها. اليوم في 2009 على المجامع العربيّة وفرق البحث أن تساعد المبادرات الخاصّة والنّوايا الحسنة لبعض الأفراد.

    5.المصطلح العربي بين ثابت الجذر و متحول الاشتقاق

    المعاجم العربيّة تعاني من مشاكل كثيرة فهناك مثلا معجم شهير تربّينا عليه تلامذة و لازلنا نعود إليه ونحيل عليه.

    لم تراجع أيّة كلمة في هدا المعجم من الطبعة الأولى في مطلع السّبعينات إلى حدود آخر طبعة. هذا غير معقول لا يمكن نشر معجم في السّبعينات و نشره بنفس المحتوى في الألفيّة الثالثة دون أي تغيير.

    هذه فضيحة ثقافيّة علميّة لا أعلم من يتحمّل مسؤوليّتها لكن ما أعرفه أن روبار أو لاروس عندما ينشر يراجع كلّ عام وتضاف إليه كلمة أو تحذف أخرى.

     فكيف يمكن ألا تتم مراجعة هذه المعاجم وتبقى نفس النّسخة تسحب طيلة سنوات بنفس الشّكل ودون أي تغيير من الصّعوبات الأخرى التي يواجهها مدرس اللغة وهو طرف هام في المعادلة.

    6.               اللغة العربية لغة عالمية

    لكن لابدّ من الإقرار ببعض النّقاط الايجابيّة وهي إقرار اللّغة العربيّة كلغة رسميّة في الأمم المتّحدة كلّ الوثائق تترجم إلى اللّغة العربيّة لا يجب أن نخاف على مستقبل اللّغة العربيّة ولا ينبغي أن نتشاءم، اللّغة العربيّة ستبقى حيّة لكن يجب أن نشتغل على التّشتت الحضاري والثّقافي الذي يعود إلى أسباب كثيرة منها غيّاب اهتمام النّخب باللّغة العربيّة. تحدّثنا عن مسؤوليّة الدول أنا لا أتحدث عن مسؤوليّة الدّول بل عن مسؤوليّة الخواص.

    أعتقد أن الخواص الذين لديهم قنوات إذاعية وتلفزيّة لا يجب أن يعطوا أموالهم للفريق الرّياضية فقط إذ لا يمكن أن يكون الدّعم موجّها للفرق الرّياضيّة فقط لابدّ من تخصيص نسبة من الضّرائب الموظّفة على المصانع و الشركات الكبرى لدعم اللّغة العربيّة حتّى وإن كانت ضعيفة.

    هناك إشكال آخر لا ينبغي أن نغضّ عنه الطّرف هو النّشر. ما ينشر في المغرب العربيّ2000 كتاب سنويّا. في فرنسا وهي ليست المثال الأمثل 40000 كتاب ينشر في فرنسا كلّ عام كميّة النّشر لها علاقة بحياة اللّغة.

    على الدّول أن تفرض على الخواص دعم اللّغة العربيّة ويبقى الإشكال الأصعب هو أن نجعل من الأطفال والشبّان جيلا يكون فخورا باللّغة العربيّة و يستعملها و يجد فيها ما يحتاجه من أدوات تؤدي مهام التواصل الحديثة، وبذلك نتفادى خطر الفجوة بين اللغة و مستعمليها

    أعتقد أنّ الرّهان الأصعب بالنّسبة لاستراتيجيّات إحياء اللّغة هي جعل الشّاب يكون فخورا بلغته العربية الأسف يجب أن نطرح الإشكال التالي و هو أن طالب اليوم ليس فخورا باستعمال لغة تجرّ معها خيبات حضاريّة وثقافيّة.

    ستتغيّر في السّنوات القادمة آفاق دراسة اللّغة العربيّة. فالطالب الجديد يتّجه حاليّا إلى العلوم  أم اختصصات الآداب واللغات ففي أفول عالمي وهذا له انعكاس على مستوى اللغة.

    تحدّثنا عن نقطة أخرى هي الجامعات التي تتوجّه إليها النّخب في أوروبا والولايات المتّحدة الأمريكية أو الجامعات الأوروبيّة أو الأمريكيّة في البلاد العربيّة وهذا يتطلّب من النّخب الماليّة والثّقافيّة أن يوجّهوا أبنائهم إلى الاهتمام باللّغة الفرنسيّة أو الأنقليزيّة على حساب اللّغة العربيّة.

    فلماذا لا تهتمّ النخب العربيّة الماليّة التي لها غيرة على الأمن الثّقافي واللغوي بإحداث جامعات نموذجيّة تجلب النّخب وتكون هذه الجامعات فضاءات لتدريس العلوم الحديثة بلغة عربيّة مع اهتمام خاصّ باللّغة العربيّة. يجب أن تحدث جامعات خاصّة في مستوى كمبردج والسّربون في العالم العربيّ وخارجه لتجعل الطّالب المتميّز يهتمّ بالدّراسة في هذه الجامعات.

    الطّالب المتميّز يتّجه اليوم للدّراسة في الجامعات المعروفة في فرنسا والولايات المتّحدة الأمريكيّة وللأسف نحن نخسر سنويّا خيرة النّخب العربيّة.

    فلندع إلى إنشاء مجموعات ضغط أو لوبيات للحفاظ على العربية و تطويرها...


     

     

          

     

        

      


  • Commentaires

    Aucun commentaire pour le moment

    Suivre le flux RSS des commentaires


    Ajouter un commentaire

    Nom / Pseudo :

    E-mail (facultatif) :

    Site Web (facultatif) :

    Commentaire :