• الإسلام المبكر لآمنة

    الإسلام المبكر لآمنة جبلاوي... بحث في الاستشراق الأنغلوسكسوني

     vendredi 30 avril 2010, 15:07



    الإسلام المبكر لآمنة جبلاوي... بحث في الاستشراق الأنغلوسكسوني 
    بيروت - عبدالله أحمد 
    صدر أخيراً عن منشورات الجمل كتاب {الإسلام المبكر، الاستشراق الأنغلوسكسوني الجديد، باتريسيا كرون ومايكل كوك أنموذجاً} للباحثة آمنة جبلاوي. 

    تعتبر الكاتبة أن التساؤل الأول الذي قادها إلى اختيار هذا الموضوع هو كيف لنا أن نثري معرفتنا بتاريخ القرن الأول للهجرة؟ وكيف لنا أن نستفيد من قراءة مختلفة للتاريخ الإسلامي {المبكر}؟ وتعمل الباحثة في هذا الكتاب على المقاربة الأنغلوسكسونية، وهو عمل على نموذج شديد الخصوصية، فالباحثان مايكل كوك وباتريسيا كرون يمثلان تيارين داخل المدرسة الأنغلوسكسونية، وهو التيار الأشد ضراوة في نقد المصادر العربية والإسلامية. 

    تفيد الكاتبة بأن مايكل كوك وباتريسيا كرون يقدمان قراءة تعتمد على مصادر غير إسلامية، فتأمل من خلال ذلك بأن تقدم لنا هذه المصادر معلومات تكمل ما حصل لدينا بفضل النصوص الإسلامية أو تلغي ما اعتدنا على ترديده في ما يتعلق بهذا القرن التأسيسي. وتلاحظ من خلال تفحص أعمال هذين الباحثين اللذين اختارتهما أنموذجاً لفهم مقاربة الإسلام الأنغلوسكسونية، أن خطابهما وإن كان علمياً فهو خاضع لقوانين الخطاب. 

    تشير جبلاوي إلى أن مقاربة كوك وكرون للتاريخ الإسلامي انطلاقاً من تجربة القرن الأول التأسيسية تختلف عن المقاربة الفرنكوفونية، ففي كتاباتهما نجد طغياناً للبراهين والإجابات والاستدلالات. فإصرار الباحثين على اعتبار تجربة الأسلام الدينية الأولى تجربة سياسية واقتصادية وعرقية قبل أن تكون تجربة روحية، يجعلنا نلمس تقاطعاً والتقاء بينهما وبين الفكر الأصولي في مواقفه من إسلام القرن الأول، فكلاهما يكرس مقاربات وتأويلات تستعمل المعجم المفهومي نفسه وترى في الإسلام منظومة جامدة. 

    كذلك تلفت المؤلفة إلى أن كوك وكرون تشبثا بمنهج واحد في أعمالهما كلها، منهج مادي أركيولوجي تفطّن إلى أمور وغفل عن أخرى، ويمكن تقسيم توجهات الدراسات الإسلامية إلى ثلاث مدارس: المدرسة الألمانية اتبعت خطاً فيلولوجياً تاريخياً، والمدرسة الفرنكفونية التي اتبعت خطاً تفكيكياً مع أركون، والمدرسة الأنغلوسكسونية التي اتبعت خطاً أركيولوجياً مادياً. وخضعت الكتابات الاستشراقية الأولى لاعتبارين انفصلا أحياناً وامتزجا أحياناً أخرى، وهما الضرورة السياسية الاستعمارية والضرورية المعرفية. وعلى رغم إيجابيات هذه الكتابات التي علينا الإقرار بها، من حفظ التراث وكشف عن مصادر ومخطوطات وقع التعريف بها بفضل عمليات الترجمة. وإن كانت الرهانات السياسية بارزة في بعض الأعمال الاستشراقية التي اقترنت بالحركات الاستعمارية، خصوصاً في أواخر القرن التاسع عشر للميلاد وأوائل القرن العشرين، فقد أصبحت كامنة في الكتابات اللاحقة. 

    الجانب العرقي 

    تلاحظ جبلاوي أن مايكل كوك ركز في كتاباته على الجانب العرقي في كتابه {محمد}، واعتبر أن السامية العربية سامية لقيطة وغير أصيلة بما أن أم إسماعيل، ليست إلا أمة مصرية سوداء البشرة، وخصص كوك أكثر من صفحة للتشكيك في توحيدية إسماعيل وجعل وراثة الجذور الإبراهيمية من حق إسحق وذريته فحسب. وتستغرب الكاتبة موقف كوك هذا، لأنه من المفترض أن الخطاب المعرفي المعاصر تجاوز هذه الأحكام التفاضلية. هذا الموقف العرقي من تجربة محمد التوحيدية، موقف كرره مايكل كوك بعد أن صرح به في أكثر من مناسبة في عمله المشترك مع باتريسيا كرون {هاجريزم}. يضيف الباحثان إلى نظرية {الجنس والعرق} تحليلات حول همجية العرب وخشونة حضارتهم وحول عنف الإسلام وامتزاجه بالمحددين العسكري والسياسي، ذلك من خلال {مؤسسات} الفتوحات والجزية والخلافة. 

    على رغم اعتماد الباحثين أسلوباً تاريخياً لا يخلو من سعي إلى توخي الموضوعية، فإنهما يتوخيان نهجاً براغماتياً تجريبياً، يغيّب معطى تعتبره جبلاوي أساسياً في كل عملية تأريخ لديانة معينة، وهو المعطى القيمي- الأخلاقي والباحثان يغيبان تماماً المسألة القيمية في حديثهما عن تاريخ القرن الأول للهجرة. فتمثل مرحلة حساسة مثل تلك التي تشكل خلالها الإسلام ديناً وثقافة، ليس بالأمر الهين، وهنا تعترف جبلاوي بأنه بقدر ما كان للاستشراق الكلاسيكي تمثلاته حول فترة النبوة والخلافة الراشدة، كان لعلماء الإسلام تمثلاتهم وخيالاتهم حول الفترة نفسها، فالقرن الأول للهجرة يحمل شحنة رمزية لا تزال مؤثرة في ضمير المسلمين الجماعي. وتعلن المؤلفة أنها في كتابها وإن كانت ستؤاخذ أحياناً كلاً من مايكل كوك وباتريسيا كرون على انسياقهما وراء بعض المصادرات والتصورات التي من شأنها أن تضعف قيمة أعمالها العلمية، فإنها تؤكد أن هذه المؤاخذات ليست هدفها في هذا العمل، بقدر ما هي محاولة متواضعة للفت الانتباه إلى تقصير المهتمين بالدراسات الإسلامية والتاريخ الإسلامي من داخل المجتمعات الإسلامية في محاولة التعامل مع التاريخ المقدس بشيء من الجرأة الموضوعية والتجرد من تمثلات المخيال الإسلامي لفترة النشأة. 

    تاريخ المقدس 

    ترى الكاتبة أنه وعلى رغم بعض الإلغاءات والانتقائية التي نلمسها في أعمال كل من كوك وكرون، فإن شروعهما في ممارسة فكر جريء على العصر التأسيسي ومحاولتهما إعادة كتابة تاريخ المقدس، يكتسي شجاعة كبيرة. وعلى رغم إغراق هذين الباحثين في البراغماتية أيضاً، وتعلقهما الشديد بالحقيقة الأركيولوجية، فإن جبلاوي تعتقد أنهما يقدمان لنا درساً في الجرأة وطرافة مقاربة القرن الأول التاريخية نحن في أمس الحاجة إليه. تضيف المؤلفة أنه وإن كانت لنا مؤاخذات حول موقفهما من المصادر العربية، وحول بعض النتائج التاريخية التي توصلا إليه، فلا يمكن إنكار أن تطرف هذا الموقف وراديكاليته، قد يكونان رد فعل طبيعياً على جمود مقاربات وتأويلات نابعة من داخل المجتمعات الإسلامية حول العصر الذهبي أو زمن النبوة والوحي وإجابة عن تمجيد المؤرخين المسلمين وثقتهم اللامتناهية في المصادر العربية. 

    تتابع المؤلفة أن المصادر العربية التي تؤرخ للقرن الأول للهجرة هي نصوص تاريخية بعيدة عن رهانات عصرها، لذلك يجب إعادة قراءتها، وتفكيكها في ضوء المناهج الحديثة، لأنه من غير الممكن إقامة روابط حية مع تاريخ القرن الأول إذا لم نضطلع بمهمة القيام بمسؤولية الحداثة كاملة، بمعنى أنه يجب القيام بمهمة نقد لمصادرنا وتاريخنا التأسيسي. فأول المصادر الإسلامية المدونة تعود إلى النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة أي أنها كتابات متأخرة وهي مؤلفات خضعت لغربلة من المؤسسة السنية، ما يجعلنا نعيش في المستوى الحالي الذي وصلت إليه الأبحاث والحفريات، نوعاً من الفراغ المعرفي بسبب هذا الغياب لمصادر إسلامية مدونة تعود إلى القرن الأول للهجرة، وهو غياب يرى فيه البعض بتراً تاريخياً أو نوعاً من الرقابة التي مارسها التراث الإسلامي على نفسه. 

    تضيف جبلاوي أن الأماكن التي عرفت الأحداث التأسيسية لا زالت تؤدي دورها كاملاً بما هي بقاع مقدسة ورموز حية للإسلام، فيبدو من الصعب أن نتوقع إمكان وقوع عمليات حفرية في هذه الأماكن، على الأمد القريب. وهذا ما يجعلنا نضطر إلى الإقرار بأن هذا الفراغ الذي يمس المصادر الإسلامية وغير الإسلامية على حد سواء إلى جانب المخطوطات والمادة الأركيولوجية، لا يسمح لنا بالقيام بعملية إعادة بناء لتاريخ القرن الأول للهجرة بشكل يحقق كل شروط الموضوعية التاريخية. 

    مخاوف 

    الذرائعية التي وسمت مقالة الباحثين في تاريخ الإسلام التأسيسي، جعلت كرون وكوك يطرحان أحياناً إشكاليات تفتقد إلى الوجاهة والأهمية، فتبدو تساؤلاتهما عن الماضي بعيدة كل البعد عن مصير الحضارة الإسلامية. وعلى رغم هذا التصور المفارق لقدر المسلمين الجماعي. فإن تصورهما يبدو مسكوناً برؤى ومخاوف جماعية غربية حول حاضر الإسلام، فالباحثان يقومان أحياناً بمقارنات غريبة بين نبوة محمد وادعاءات نبي{ماوري}، ينسب نفسه إلى الجذور السامية الإبراهيمية. كذلك يتحدثان في أماكن أخرى عن الأحداث السياسية المعاصرة، لمقارنتها بما حدث في القرن السابع، ويتطرقان إلى إيحاءات في شأن الثورة الإيرانية في كتاب {خليفة الله}. إذ تسعى كرون في هذا الكتاب إلى إثبات تماذج الدين الإسلامي بالمحدد السياسي، وتستقي من أحداث القرن العشرين السياسية أمثلة تدعم في رأيهما بنية العلاقة بين الدين والدولة التي تصوراها في القرن السابع للميلاد. ولا تخلو هذه الملاحظات، بحسب الكاتبة، من إسقاطات واضحة وإهمال لاختلاف ظروف التاريخ الإسلامي المقدس الخارجية من اعتداد وصلف عندما تعمد إلى إقصاء النصوص العربية كلها


  • Commentaires

    Aucun commentaire pour le moment

    Suivre le flux RSS des commentaires


    Ajouter un commentaire

    Nom / Pseudo :

    E-mail (facultatif) :

    Site Web (facultatif) :

    Commentaire :